Atwasat

(العربية) من الانتماء العرقي إلى الهوية الثقافية الجامعة

أحمد زاهر الأربعاء 05 مارس 2025, 09:48 مساء
أحمد زاهر

ما بين الانتماء العرقي الضيق والهوية الثقافية الشاملة، تمتدُّ إشكاليةٌ طالما شغلت الفكر العربي. فالفكرة القائلة بأن «العربية» عرقٌ محضٌ تراجعت أمام تحولات التاريخ، لكن ظلالها ما زالت تُخيم على الحاضر. مع بزوغ الإسلام، شهدت العربية تحولاً جذرياً: من لغة قبائل متنافرة إلى لسان أمة جامعة، ومن دماء الأجداد إلى قيم الإخاء. هذا التحول جعلها وعاءً حضارياً يستوعب الأعراق والأفكار، لتصبح الهوية العربية مسألة انتماءٍ فكريٍّ قبل أن تكون نسباً عرقياً.

* «الجذور التاريخية»: من القبيلة إلى الأمة
قبل الإسلام، حكمت الروابطُ العرقيةُ والقبليةُ مفهومَ الانتماء إلى العربية. لكن القرآن الكريم – بنزوله بلغة العرب – أعاد صياغة هذه الهوية، فحوّلها من انتماءٍ ضيّق إلى مشروعٍ حضريٍّ عالمي. لم يكتفِ الإسلام بتوحيد العرب تحت لواء الدين، بل فتح الباب لكل من تكلَّم العربية أن يكون جزءاً من هذه الأمة. يقول ابن خلدون في مقدمته: «اللغة أعمُّ من النسب… فالعجمي قد يكون عربي اللسان، والعربي قد يكون أعجمي اللسان». هكذا تجاوزت العربية حدودَ العرق، لتصبح ميراثاً لكل من نطق بها وأسهم في حضارتها.

* العربية: فضاءٌ للتلاقح الحضاري
لم تكن العربية حكراً على عرقٍ معين، بل كانت منصةً لإبداع أبناء الحضارات الأخرى. خذ مثلاً:
- سيبويه (فارسي الأصل): وضع أسس النحو العربي في كتابه الذي صار «قرآن النحويين».
- عبد القاهر الجرجاني (فارسي): صاغ نظرية «النظم» التي غيَّرت مفهوم البلاغة العربية.
- ابن سينا (كردي): كتب أشهر أعماله الفلسفية بالعربية، مثل «القانون في الطب».
هذه النماذج تؤكد أن العربية لم تكن يوماً سجناً للعرق، بل فضاءً حراً للإبداع المشترك.

* المغالطة العرقية: جذور التفتيت المعاصر
لا تزال النظرةُ العرقية للعربية تُغذي الصراعات في العالم العربي، مثل:
- النزاع العربي-الكردي في العراق وسورية.
- التوتر بين الهوية العربية والأمازيغية في المغرب والجزائر وليبيا.
هذه الصراعات ليست قدراً تاريخياً، بل نتاجاً لسياسات استعمارية روَّجت للهويات الفرعية، ولخطابات محلية حوَّلت اللغة إلى أداة استبعاد. وكما يقول المفكر علي الوردي: «العرق وهمٌ صنعته السياسة، وليس العكس».

* استراتيجيات البناء: من التنظير إلى الفعل
تحتاج العربية اليوم إلى خطوات عملية لتعزيز هويتها الثقافية الجامعة:
1. مناهج تعليمية تُعيد قراءة التاريخ:
- إبراز دور غير العرب في الحضارة الإسلامية، مثل المهندس سنان آغا (تركي) الذي صمم مسجد السليمانية في إسطنبول.
- تدريس نماذج التعايش التاريخي، كتجربة الأندلس حيث عاش العرب واليهود والبربر في تناغم.

2. الإعلام كجسرٍ للوعي:
- إنتاج أعمال درامية تُظهر التنوع العربي، كمسلسل صلاح الدين الأيوبي (كردي الأصل) الذي وحَّد العرب ضد الصليبيين.
- حملات إعلانية تحت شعار: «العربية لسانٌ يجمعنا»، كما فعلت «هيئة الشارقة للكتاب» في مبادرة «لغتي».

3. الاعتراف بالتعددية دون تفكيك الهوية:
- اتباع نموذج المغرب الذي أقرَّ الأمازيغية لغةً رسميةً العام 2011، مع التأكيد على أن العربية تظلُّ لغةَ الانتماء الثقافي الجامع.

* خاتمة: نحو هويةٍ إنسانيةٍ شاملة
إعادة تعريف العربية كهويةٍ ثقافيةٍ ليست ترفاً، بل ضرورةً لبناء مستقبلٍ عربيٍ قائمٍ على الوحدة في التنوع. فكما استطاعت العربية في الماضي أن تكون جسراً بين الشرق والغرب، فإنها اليوم قادرةٌ على تحويل الاختلافات العرقية إلى مصدر قوة. وكما كتب أدونيس: «الهوية ليست جذوراً ننظر إليها تحت الأقدام، بل أجنحةٌ نحملها فوق الظهر». فالهوية الحقيقية هي تلك التي تُحررنا من حدود الماضي، لا تلك التي تسجننا فيها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»