مراد العارف: «قلت سأكتب سرديتي، ولماذا لا أفعل وهي التي قادتني إلى كل هذا الخزي؟! يجب أولا أن أغير نفسي، فأنا الرجل القديم نمت ثم استيقظت فإذا بالرواية ليست كما أعرفها، وإذا أصررت على الكتابة بطريقتي لن أجني إلا البوار».
ليس «مراد العارف» فقط من سيكتب سرديته، كقارئ أيضا سأكتب سرديتي: عندي اصطلاح كنت نحتهُ هو «سيرة الموضوع»، رواية «مراد العارف» الموضوع، أما السيرة فكيف طالعتها كقارئ قبل وبعد، وعند لا أتعاطف مع ما أقرأ لن أقرأ، ما يعني أنك لن تضيع وقتك وجهدك مع نص لا تتعاطف معه، وكل تعاطف محمل بنوع ما من المكابدة.
في البدء وجدتني أستملح تقسيم الكاتب روايته تحت عناوين شخصياته، وهم رجل وامرأتان، الرجل تحمل الرواية اسمه: "أنا مراد سليمان محمد العارف، الصحافي في جريدة «الشرق» وكاتب السيرة الذاتية المعروف، والروائي بلا رواية، وأنا الآن نائم في شقتي بالطابق السادس في بناية الشمس بميدان التكوير في المدينة التي عشت فيها أكثر مما عشت في بلدي، وغمرني شعور قوي بالأسف». والمرأة الأولي من تفتح مع «مراد العارف» الباب السردي الأول هي ليلى: «سألتها: وأنت؟ التفتت إليِّ وقالت: أنا أشهر (Body care specialist)، ولما رأت البلاهة تكسو ملامحي أردفت: (specialist Body care) في عموم المملكة، ولما رأت الفضول يكسو وجهي رفعت يدها بالموبايل: أتواصل مع زبوناتي وأذهب إليهن في قصورهن».
المرأة الثانية تفتح الباب السردي الثاني دون مقدمات، حيث سنعرف علاقتها بالشخصية الرئيسة «العارف» في صفحات متقدمة من الرواية، وذا تكنيك تشويقي مميز يجعلك تنتوي تقليب الصفحات، هذه الثانية تدعى هبة الله: الدكتور إسماعيل هدهد أستاذ الأدب والنقد: «زميلتكم الآنسة هبة الله بنت عبد المقصود الدمشاوي، كانت في ذلك المقهى ذي الأبواب الزجاجية المضببة في الميناء الذي ذكرت اسمه، وكانت تسمع صوت ذلك البحار يصف الحياة بأنها سجن مؤبد، والسؤال: من منكم يعرف في مفتتح أي رواية كانت تعيش بخيالها؟. خيم الصمت، وبعد فترة رفع أحد الطلاب يده أشار إليه ليجيب، فقال الزميل: زوربا اليوناني».
الرواية تفصح أنها رواية شخصيات، من خلال التقسيم المعنون بأسمائها فالبنية السردية، حيث كل شخصية تسرد سيرتها مثلا، وبهذا تبدو كما روايات ثلاث، فكل شخصية تستولي بقوة على البنية السردية، ثم تجعلها سياقا خاصا بها يوازي السياقات الأخر، بل إن شخصية الدكتور إسماعيل هدهد أستاذ الأدب والنقد الدي سيرته تسرد في سياق سيرة زوجته هبة الله يتمثل لكم مركزا لنسيج الرواية، فالهدهد الناقد والأكاديمي بطبيعة الحال منشغل بمسألة نظرية الرواية، التي تتمثل كهاجس للشخصية الرئيسة في الرواية: مراد العارف كاتب السيرة الذاتية والروائي بلا رواية، والسردية السيروية لشخصية الهدهد تجيء في صيغة هجائية فتنفرد عن السياق السردي للرواية، وهذا يبرز هذه الشخصية الروائية وجعلها مشحونة بالدلالة السلبية، فالدكتور إسماعيل هدهد الناقد المعروف جدا جدا!، هو ناقد وأكاديمي مجسد للنقد كنقود محض، للنقد المدفوع الثمن.
ومن ذاك وجدتني أشتبك مع وفي نسيج رواية، تطرح مفاهيم عن الرواية وتَنظرُ في نظرية الرواية، سواء في السياق السردي، أو عبر طرح أفكار مباشرة في المسألة الروائية. ولما انتهيت من الرواية تفحصت الغلاف، فوجدته سيمياء لشخصية ورقية، ما اعتبرته تأويلا لورقية شخصيات الرواية، فولجت إلى الإهداء ما كان: «إلى روح صديقي الراحل محمد بدر عبد الحميد، ابن المنيا الذي مات في باريس منذ أكثر من خمسة وأربعين عاما، ولم ير اسمه مكتوبا على غلاف روايته».
والقارئ المنتبه سرعان ما يدرك، من خلال البنية السردية والأحداث، جاذبية الشخصية الرئيسة وعفويتها: مراد العارف كاتب السيرة الذاتية والروائي بلا رواية، وأن السياق السردي محموله متعاطف معها ومبرر لنواقصها وعطبها، وهذا يجعلها كشخصية كاشفة للشخصية المعطوبة الجامدة، الدكتور إسماعيل هدهد أستاذ الأدب والنقد، الذي تقدم في صيغة هجائية في كل مساحتها من النص.
بطبيعة الحال ليس ثمة علاقة بين الشخصية الروائية والروائي، غير أن شخصية العارف تطرح مفاهيم حول البنية الروائية ومساقها، مثل أن السياق السردي بحاجة لما أطلق عليه مخزن الروائي أي التراكم المعرفي، ما أتبره من أس الكتابة الروائية.
ما يحيلنا مثلا على المحتوي المعرفي في الرواية إلى جانبين مبرزين في روايتنا «مراد العارف»، ما أشرنا إليه حول نظرية الرواية، بالإضافة إلى ما يذكرنا بأن الروائي كان يعمل في السلك القضائي، أي المعارف القانونية الدقيقة المحمل بها النص، خاصة في السياق السردي لشخصية ليلى ودور مراد العارف بالقانون.
ومن ناحية أخرى نعيد فنذكر أن مسألة كلاسيكية الرواية، هي أطروحة وهاجس مراد العارف الشخصية الروائية والسياق الروائي، ويقابلها أو يطابقها محمول شخصية الدكتور إسماعيل هدهد أستاذ الأدب والنقد الهرم!، من خلال سردية شخصية هبة الله زوجته الشابة المثقفة.
سيلاحظ من طالع الرواية أني ذهبت إلى الاهتمام والتركيز على تيمة واحدة للرواية، التي مثل كل رواية كلاسيكية تتعدد تيماتها، ومنها واقعيتها فعلائقها المتداخلة والمتعددة، كما أشرت مثلا إلى أن نص مراد العارف أكثر من رواية، وأن شخصياتها تتقاطع وكل منها محملة بدلالات عدة. لكن ليس بالإمكان احتواء رواية، وأن كل قارئ في الأخير تجذبه قراءة فيكون لكل قارئ قراءة أو كما قيل.
عدت بعد أن طالعت النص، إلى البحث في صفحات الأنترنت عن الروائي أحمد صبري أبوالفتوح، من في نص «مراد العارف» جعل شخصيته الرئيسة أو الراوي العليم، مهجوسا بالرواية ونظريتها، وفي الوقت نفسه يكتب رواية أو يدعي ذلك، التي يمكن اعتبارها رواية «مراد العارف» المنحازة للمرأة الفقيرة، من خلال الشخصيتين هبة الله وليلى، من سيرتهما تتشكل كالمادة الخام للرواية التي من المفترض أن يكتبها مراد العارف.
كذلك بحث ما كتب حول أعماله، ما أحدها يشير إلى كلاسيكية أحمد صبري أبوالفتوح الروائي دون تعليل لهذه الإشارة ولا بحث في ماهيتها، التي تشغل مراد العارف وسرديته القلقة تجاه هذه المسألة، وقد طالعت حوارا مطولا مع أحمد صبري أبوالفتوح الروائي، فوجدته مهتما بالكلاسيكية فأسهب في توضيح رأيه حولها بعمق ودراية وانشغال.
هذا حفزني إلى أن أستعير من السياق السردي ومن مضمونه قرأت رواية مراد العارف، وكنت تذكرت أني في سالف الأيام، مارست مقاربة نقدية مشابهة لديوان شعري للناقد الليبي الراحل، صاحب النظرة النقدية، نظرية البيت الواحد: خليفة التليسي.
لقد شدني السرد المتدفق في تشويق ظاهر وممتع، وفي لغة سلسة وطرح لمسألة المسائل: ما الرواية؟، «مراد العارف» يمكن اعتبارها اجتهادا وإجابة على سؤال كهذا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات