تمثل التناقضات في الخطاب السياسي للنخبة الليبية حالة دراسية مثالية لفهم التفاعل المعقد للسرديات السياسية والاحتياجات النفسية للسلطة في سياق الأزمات المزمنة.
من الطريف أن ما يحدث يمكن رصده بسهولة من خلال عدسة علم النفس السياسي، إذ تكشف هذه المقاربة التحليلية عن آليات «التنافر المعرفي» والاستراتيجيات التفاوضية المزدوجة التي تعكس صراعًا بين الهوية السيادية المتخيلة والواقع التبعي المعاش، في ظل غياب الإجماع الوطني واستشراء التشرذم المؤسسي.
* سردية السيادة في ظل الفوضى المؤسسية:
تشير نظرية التنافر المعرفي «القلق العقلي بسبب التمسك بموقفين متعارضين» إلى أن الفاعلين السياسيين يسعون لتخفيف التوتر الناجم عن تبني معتقدات متناقضة عبر آليات تبريرية.
في السياق الليبي، تمارس النخبة السياسية ما يعرف بالازدواجية الاستراتيجية، حيث توظف خطاب السيادة الوطنية كدرع رمزية لتعزيز الشرعية الداخلية، بينما تتعامل مع المؤسسات الدولية «والدول» كملاذ لضمان البقاء السياسي.
هذا التناقض يظهر تعايشًا مفاهيميًا بين السيادة المطلقة والتبعية الوظيفية، وهو ما يفسر عبر نظرية «الاعتماد المتبادل المعقد» التي ترى أن الدول الهشة تتبنى سلوكًا تبادليًا مع القوى الخارجية لتعويض عجزها عن إدارة التوازنات الداخلية.
وهنا يمكن تحليل التناقضات عبر مستويات الخطاب:
1- السيادة المشروطة.. بين الرفض والتوسل:
يقدم الخطاب السياسي الليبي شعار السيادة الوطنية كأيقونة مقدسة، لكنه يتحول عمليًا إلى ممارسة السيادة بالوكالة عبر المطالبة بفرض عقوبات دولية أو تدخلات انتقائية.
ووفقًا لنموذج الشرعية الهجينة، تستخدم النخبة الليبية المؤسسات الدولية كمشرع بديل لتعويض غياب الإجماع المحلي، مما يولد تناقضًا بين الخطاب السيادي والممارسة التبعية.
هنا، يصبح مجلس الأمن الدولي خصمًا وحكمًا في آن واحد، وهو ما يسمى بـ«التنافر الدوري» في علم النفس الاجتماعي، حيث تضطر النخبة لتبني أدوار متضادة لتحقيق مكاسب آنية.
2- الانتخابات.. المطالبة المبدئية والعرقلة التكتيكية:
تظهر النخبة سلوكًا ثنائي التوجه حيال الانتخابات، فهي ترفعها شعارًا لاسترضاء المجتمع الدولي، لكنها تعرقلها عبر شروط مستحيلة تحت ذرائع أمنية أو قانونية.
وفقًا لنظرية «الخيار العام» تعكس هذه المناورة سعي النخبة لتحقيق التوازن الهش بين تعظيم المكاسب الشخصية (كالتمدد في السلطة) وتجنب المخاطر الناجمة عن فقدان السيطرة الانتخابية. هذا السلوك يجسد ما يعرف في علم النفس السياسي بالمفاضلة الانتخابية الكاذبة.
3- المؤامرة الغربية.. بين التنديد والتماس الدعم:
تتكرر في الخطاب سردية المؤامرة الخارجية كآلية لتحويل الانتباه عن الإخفاقات الداخلية، وفقًا لنظرية «كبش الفداء» لكن النخبة نفسها تتوسل للدول الغربية لدعمها سياسيًا واقتصاديًا، مما يولد تناقضًا بين الخطاب التآمري والممارسة التبعية.
هذا الانزياح يفسر عبر مفهوم الانفصام الاستراتيجي، حيث تستخدم التناقضات اللغوية كأداة لتعديل التحالفات دون التضحية بالشرعية الشعبوية.
تلكم التناقضات (ونورد منها ثلاثة دون تعمق أو تفكيك إضافي) لا تعكس مجرد أزمة فكرية، بل تشير إلى عقلانية تكتيكية تهدف لاستغلال الفوضى الإقليمية والدولية.
ففي غياب الدولة القادرة، تتحول الازدواجية الخطابية إلى آلية بقاء تلائم بين متطلبات الشرعية الداخلية (السيادة) وضغوط التوازنات الخارجية (التبعية).
بيد أن الاستمرار في هذا النهج يعزز أزمة المصداقية المزمنة، حيث تفقد النخبة القدرة على حشد التأييد الشعبي أو الدولي أو كليهما.
هنا، يصبح السؤال المركزي: هل هذه التناقضات دليل على فشل النخبة (السلطة) في إصلاح آليات تفكيرها؟ أم عجز التيار المدني والمثقفين عن تبيان هذا التلاعب المستمر، والتوقف عن التعاطف المغلف بالروح الوطنية وسردية السيادة «الطريفة»؟
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات