Atwasat

«ريفيرا ترامب»

سالم العوكلي الثلاثاء 18 فبراير 2025, 06:33 مساء
سالم العوكلي

تمثل الظاهرة الترامبية خلاصة التعبير بوضوح عن مكابيت الرأسمالية، والإعلان صراحةً عن جانبها المعتم الذي كان مخفياً خلف بريق الدعاية الخلاب، فمنذ نهاية الحرب العالمية الثانية، ثم الحرب الباردة، ذهبت نشوة المنتصرين إلى شعورهم بأن الرأسمالية هي نهاية المطاف، بل نهاية التاريخ، وثابرت على تجميل نفسها بكل أدوات الدعاية، وباعتناقها لما يسمى «نظام التفاهة» عبر الترويج لكل ما هو سطحي ومؤقت وسريع العطب، سواء اجتماعيا على مستوى الذوق الشعبي الشائع ونهمه الاستهلاكي، أو كل ما هو شعبوياً على مستوى السياسة، وكانت ظاهرة ترامب، وكل اليمين المولع به، آخر انبعاثاتها السامة، وما انفكت شعبيته تتصاعد بوتيرة مخيفة رغم كل انحرافاته الأخلاقية التي يعبر عنها دون وجل، وملاحقته قضائياً، وخروجه عن أدنى حد من احترام الآخرين، قريبين منه أو بعيدين، وهذا ما يجعل منه ظاهرة ستجعل فلاسفة الأخلاق يعيدون النظر في الكثير من منطلقاتهم وبراهينهم.

ومنذ الأسبوع الأول لدخوله إلى البيت الأبيض، ألغى إجراءات وقوانين وأتخذ غيرها، وفي مجملها تعبر عن رؤيته للعالم الجديد وفق تبجحه (السايكوباتيك) الشخصي، وتبجحه بالعرق الأبيض المخلص في أمته. وبقدم في الكنيسة وأخرى في سوق المال يعتقد أنه سيد العالم المدعوم المرسل من السماء، والمسيح المبشر بالعصر الذهبي كأي طاغية مخبول من العالم الثالث تستهويه فكرة الخلق والبداية من الصفر. وهي ظاهرة لا تعري وجه الرأسمالية المشوه فقط، ولكن تعري الديمقراطية وهي تنزلق في أحد معاقلها إلى دكتاتورية الصندوق التي خبرها العالم جيداً.

فتصريحات ترامب المؤذية والحاثة على الكراهية كافية لأن تضع أي مواطن في هذا العالم خلف القضبان، لكن خروجها من المكتب البيضوي يجعلها محصنة وقابلة للحوار في كثير من ندوات النخب في الميديا. بالنسبة لترامب ودائرة الأثرياء اللصيقة به، العالم مجرد إقطاعية خاصة بالولايات المتحدة، وحتى البشر فوق الأرض ملك لها، ويمكن ببساطة إخلاءهم من أوطانهم كأي عوائق أخرى من أجل استثمار الأرض، وحديثه عن كندا وخليج المكسيك وبنما وقرينلاند وغزة يجعله منغمسا بقوة في هذا الوهم المَرَضي الذي يشعر من خلاله أنه لا راد لكلامه. والنظام العالمي الجديد الذي يتنقل به من صفقة إلى صفقة يمكن أن نسميه النظام الذي يتحالف فيه رجال الأعمال مع الذكاء الصناعي، كمحاولة أخيرة للقفز إلى الأمام أمام التهديدات التي يتعرض لها المارد الأميركي من منافسين يركضون خلف أميركا لكن نَفَسهم أطول من نَفَسها، وحتى في ألعاب القوة دائما كانت أميركيا تحتكر السباقات السريعة والقصيرة، لكن لا حضور لها في سباقات الماراثون الطويلة، وهو الأمر الذي تجيده أمة مثل الصين في الاقتصاد والتموضع في العالم.

من أهم المفكرين الذين تنبهوا مبكرا لأنياب الرأسمالية التي تنمو باطراد، ووعودها المخملية التي غالباً ما تتحول إلى وعيد، الفيلسوف الأميركي جون رولز، خصوصا عبر كتابه الشهير (نظرية العدالة)، وهو كتاب ينطلق من جوهر فلسفة الأخلاق، غير أنه يتجاوز مفهومها وسلم قيمها التقليدي، والمرتكز منذ سقراط على ثنائية الخير والشر كقيم مطلقة، إلى سؤاله الجوهري: كيف يكون العالم سعيداً، وبالنسبة له السعادة شأن جماعي معني به العالم كله كي ينعكس تلقائيا على المجتمعات المختلفة ومن ثم أفرادها، بل أن الفيلسوف الأسترالي المتأثر بأطروحاته، بيتر سنغر، يضم عالم الحيوان إلى هذه السعادة. ونظرية رولز في العدالة ترتكز على مبدأين: الحرية والمساواة.

ورغم ما يبدو على هذين المبدأين من تناقض أصيل، لكن معالجاته المهمة لهذا التناقض بالذات هي ما جعلت من بناء نظريته في العدالة ملهمة لكثير من الفلاسفة بعده، الذين آزروا أو جادلوا أو نقحوا بعض أفكاره عن العدالة وما يتمخض عنها من سعادة بشرية. لم يكن رولز مثاليا بالمفهوم التقليدي للمثالية المحلقة في فضاء من التجريد الأخلاقي، لكن بحثه المثابر في الوضع الإنساني من خلال التاريخ، وطرحه لإجابات إجرائية يمكن اتخاذها بسهولة حين تتوفر الإرادة، ما يجعل نظريته تنأى عن المثالية بقدر ما تقترب من فطرة الإنسان ومن خيال الأغلبية المقهورة، وربما هذا الجانب ما جعل من كتابه الموجه أساساً للوسط الأكاديمي يحقق نسبا عالية من المبيعات، كما يفعل كتاب رأس المال لماركس في فترات الأزمات الاقتصادية الحادة، لكن جولز ليس يسارياً، ويوصف بأنه فيلسوفً أخلاقيً وسياسي في التراث الليبرالي، وفلسفته عن السعادة الإنسانية تحتاج أساساً إلى لجم نزعة بشرية مقيتة كي تتحقق وهي (الجشع) سواء أكانت نزعة فردية أم جماعية تتعلق بالدول، وربما هذا هو الرابط الذي ذكرني بجولز في سياق الحديث عن ترامب، وهما نموذجان لا يجمع بينهما سوى الجشع المزدرى عند جولز، والجشع الذي يشكل صميم تكوين الظاهرة الترامبية التي يبدو أنها تلقى قبولا عند قطاع واسع من الناخبين الأميركان وعند الحركات اليمينية المتفشية في أوروبا.

في كتابه «تاريخ موجز للفلسفة» يذكر نايغل وربرتن في سياق حديثه عن كتاب (نظرية العدالة) أن «جون رولز أكاديمي متواضع من هارفرد، ألّف كتاباً غيّر أسلوب الناس في التفكير حول هذه المسائل. إنه في حقيقة الأمر كتاب أستاذ موجه إلى أساتذة آخرين كُتِب بأسلوب أكاديمي جاف. وخلافا لمعظم كتب هذا الصنف من الأعمال، لم يُضع على رفوف المكتبات ليعلوه الغبار، بل أصبح من أفضل المبيعات. الحال أن عدد من أطلع عليه مدهش. غير أن أفكاره الرئيسة كانت من الأهمية بمكان بحيث اعتُبِر أحد أهم الكتب المؤثرة في القرن العشرين، يقرأه الفلاسفة والمحامون والساسة وكثيرون غيرهم. وهذا شيء لم يحلم به رولز نفسه».

يقال إن ترامب كان معروفا بالجشع والأنانية منذ صغره، وحين يصبح هذا الجشِع بالفطرة على رأس أقوى دولة في العالم اكتسبت قوتها من طاقة الجشع الهائلة لدى مديريها، يحدث اللقاء بين الجشع الفردي، وجشع الدولة القوية، ويصبح العالم على حافة الخطر، وهذه الحقبة القصيرة التي سيكون فيها ترامب على رأس إمبراطورية الجشع، قد تضع العالم في أتون حرب عالمية ثالثة، أو تفضي أزماتها، الأخلاقية خصوصا، إلى رؤية لعالم جديد قد تكون رولز نظرية رولز في العدالة من أهم ملهماتها.

تقترب أطروحات رولز من الاشتراكية كما بشر بها ماركس والتي تشوهت عبر اختزالها في التأويل الشيوعي المواجه بحدة للرأسمالية، لكن في الحالتين استُخِدم نصف الوصفة الرولزية للسعادة البشرية. المساواة على حساب الحرية أو الحريات في التجربة الشيوعية، والحريات على حساب المساواة في التجربة الرأسمالية، وأكرر أنه رغم التصادم النظري بين هذين المبدأين إلا أن رولز استطاع أن يحول هذا التضاد إلى ديناميكية فاعلة، وضمن معادلة تقبل الخفض والتنازلات من أجل توسيع ما يترتب عن تفاعلهما من فضاء للعدالة الممكنة والسعادة، وهي تركيبة تقترب مما ينتج عن قطبي المغناطيس المتضادين من حركة وديناميكية لا يمكن أن تكون إلا بهذا التناقض. يحتاج عنصران كيميائيان إلى وسط محفز كي يتفاعلان، وفي حالة عنصرَي الحرية والمساواة، فالوسط المناسب هو (الحياء). الحياء الذي تطرق له الكاتب أمين مازن في مقالته الأخيرة والمهمة «إلى الحياء» المنشورة بـ«بوابة الوسط» والتي يؤكد فيها أن الحياة لن تعود إلى بعودة الحياء إلى المسؤولين.

وبالعودة إلى الظاهرة الترامبية المضادة لنظرية العدالة والمخلصة للرؤية المكيافيلية لإدارة الدول والعالم، فإن صفة الحياء تختفي عند ترامب، وعند الرئيس الفعلي لأميركا في السنوات الأربع القامة ميلون ماسك، وهو أمر تفشي به تصريحاتهم ولا يحتاج إلى عناء تقصٍ، ونحن نعرف جيدا ما يعنيه أثرياء الحرب على المستوى المحلي، وفي الحقيقة تمثل الولايات المتحدة نموذجاً لدولة (أثرياء الحروب)، وإذا كان هذا الأمر مخفيا فإن ظاهرة ترامب الفاضحة لكل الخفايا تظهره الآن علنا، وهو لم يرَ في الواقع من حرب غزة وإبادة شعبها سوى فرصة لتوسيع مشاريعه العقارية، والشيء الوحيد الذي يجعله يتوقف عن دعوته لبناء ريفيرا فوق مقابر آلاف الأطفال هو الحياء.

يضيف نايغل وربرتن، عن جون رولز، أنه «أثناء تأليفه نظرية العدالة، كانت الحرب الفيتنامية على أشدها، وكانت الاحتجاجات واسعة النطاق تعم الولايات المتحدة، ولم تكن جميعها سلمية. وقد اختار رولز الكتابة حول مسائل العدالة العامة المجردة بدلاً من الوقوع في شرك القضايا الراهنة. في لب كتابه فكرة أننا نحتاج إلى التفكير بوضوح في الكيفية التي نعيش بها سوية وسبل تأثير الدولة في حياتنا. كي يكون وجودنا محتملاً، نحتاج إلى أن نتعاون والسؤال هو: كيف؟». وكتابه محاولة مهمة للإجابة عن هذه الكيف. وحتى لا نعتقد أن صفة (الحياء) التي وردت من قِبلي شطحة رومانسية، فإن ما تطرق إليه من احتجاجات في حرب فيتنام، ثم ما تلاها من احتجاجات واسعة النطاق في الحرب على العراق وصولا إلى حرب غزة، تؤكد أن الحياء قيمة إنسانية حاضرة بقوة، وإن غابت لدى قوى النفوذ التي مازالت تدير النظام العالمي الراهن، وهذا هو لب النظام الذي انتقده رولز بشدة والذي تمثله الظاهرة الترامبية بشدة. لكن الثورة الكونية قادمة لا محالة، فعصر الثورات القطرية ولى، باعتبار العالم أصبح قرية تهددها أخطار مشتركة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»