تناقلت الأنباء، في الأيام الماضية، تناول مجلس الأمن الدولي، بين أعضائه الدائمين تحديدًا، الحالة الليبية وما وصلت إليه من التأزم الذي ترزح تحته الأغلبية الساحقة من الشعب الليبي، بينما ظلت تنعم بخيراته الأقلية الفاعلة من المجالس والهيئات والمستشارين ممن لا يخرج عن دائرة اهتماماتهم كل من له صلة بالقرار داخل البلاد أو خارجها، فلاحَ ما يبشِّرُ بإمكانية الخروج من المأزق الناتج عن الموقف الروسي من اختيار المندوب الدائم عندما وافقت على الرقم العاشر من المندوبين.
وقد تجلّى ذلك في الحديث عن تشكيل لجنة وُصِفَت بأنها ستكون فنية، وقد يتم عن طريقها تعطيل دور كل المعرقلين لإمكانية توحيد كل الانقسامات بدايةً من التشريع إلى التنفيذ. وقد وصل الأمر إلى تسمية بعض أو كل ممن ستتألّف منهم اللجنة المُنتظَرة، بينما شرعت الأطراف المنافسة أو المتضررة في إعطاء رأيها سلبًا أو إيجابًا، أو بين بين كما يقولون. أما الحقيقة المُرَّة المؤلمة فإن سوء الأحوال التي طالت حياة الأغلبية الساحقة من الشعب هي في الواقع أقل مما يقال عنها في التحليلات، ويكفي أن هذه الأغلبية المتشكلة من كبار السن وأصحاب الدرجات المتدنية، التي يتراوح دخلها الشهري بين التسعمائة دينار وما لا يزيد على الألفين.
وقد صار التضخم الخيالي لا يترك لهم أي شيء يمكن أن يسد الضروري من عيشهم، وهو وضعٌ ما كان له أن يكون لولا حالة النهم التي قادها المؤتمر الوطني في تقدير مكافآت أعضائه، الذين بدأ عددهم بالمئتين ليزيد بعد ذلك إلى الضعف، إلى جانب هيئة الدستور، ومن يليهم من الوزراء والرؤساء، وقبل ذلك كله تعويضات من لحقهم أذى النظام السابق من دون أن يرتبط ذلك بتبنِّي الدعوة للتسامح والتعايش السلمي لكل الناس كما ينبغي من تلازم جبر الضرر بالتنازل عن الماضي على الأقل بالخطاب الرامي إلى طي صفحة الماضي، بينما لا يسود الخطاب الإعلامي الرسمي سوى الوقوف عند الماضي، ولا يتجه الصرف إلا نحو ما يفيد المتنفّذين الجُدد، وكل من يمت لهم بصلة القرابة أو المصاهرة، إلى جانب شيوع خليقة التوريث المخجلة وغض النظر الوقح عن جميع ملاحظات العامة، حتى يحتار المرء هل ما يقال مدحٌ لهؤلاء المنهمكين في كل ما يعيب، أم هو نقدٌ يستحق الرد القائم على التوضيح، لرفع الملامة والحفاظ على السمعة، أم أن الاستخفاف بالشعب قد وصل هذا الحد وأيًا ما كان الأمر!؟
وإن تأكد تشكيل هذه اللجنة من قِبل البعثة الأممية الموقرة، التي سُميَ مندوبها العاشر بموافقة روسية، أي بإجماع الدول دائمة العضوية التي أقرت ذات يوم استقلال ليبيا وكانت أفقر دولة، ويقول مسؤولوها اليوم أنها قد تعجز (وهي الدولة النفطية) عن تسديد رواتب العاملين بها، وقد بلغت المليارات، فإن اللجنة المراد تشكيلها ينبغي أن يُطلَب منها إعادة النظر في الرواتب والمجالس والمصالح والعاملين، وبالجملة تحديد سقوفٍ لها مجتمعة، وما يتبع ذلك من الوزارات والهيئات طبقًا للمعمول به في المحيط، وليس بهذا السباق المخجل على الإنفاق بين رواتب وعلاوات ووسائل نقل واتصال، فذلك فقط هو ما يحتاجه الليبيون، ومن ثَم يُصار إلى توحيد مؤسساتهم ما دامت الصورة بهذه القتامة.
وبعد ذلك يمكن أن يستمر الذين تشرئبُّ أعناقهم للجان التي ما زال عار جنيف يطولها مجتمعة، وكم يكون جميلًا لو تُوضَع بعد عبارة عودة «الحياء» وليس الحياة، كما يتبجّح من لم يسأموا التبجّح بعد!!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات