Atwasat

عصيان حكومي!

صالح الحاراتي الثلاثاء 04 فبراير 2025, 06:32 مساء
صالح الحاراتي

في اللغة، عصي: أي خارج من الطاعة، مخالف.. ويقال «هو عصي الدمع»: أي يكبح دمعه ويحبسه..

والعِصْيَانُ هو الامتناعُ عن الانقيادِ.

وعدم الطاعة للسلطات طواعيةً.

مع ملاحظة أن رفض القيام بفعل لا أخلاقي أو غير قانوني لا يعد عصيانًا ولا يعد كذلك رفض القيام بفعل ليس من اختصاص سلطة الشخص الذي أصدر الأمر.

وكلمة عصيان لها استعمال متكرر في عالم السياسة والمعنى الأشهر هو ما يسمونه بـ«العصيان المدني»..

وهو أحد الطرق التي ثار بها الناس على القوانين غير العادلة، أي هو رفض الناس الخضوع لقانون أو لائحة أو تنظيم أو سلطة تعد في عين من ينتقدونها ظالمة، وقد استخدم في حركات مقاومة سلمية عديدة موثقة؛ كما في الهند (حملات غاندي من أجل العدالة الاجتماعية وحملاته من أجل استقلال الهند عن الإمبراطورية البريطانية)، وفي جنوب أفريقيا في مقاومة الفصل العنصري، وفي حركة الحقوق المدنية في أميركا.

كما أن العصيان قول يأتي استعماله في مواضع اجتماعية كثيرة.. عصيان الأبناء للآباء وعصيان الطفل.. إلخ.

وربما يسري الأمر حتى على الدابة عندما «تحرن» وتمتنع عن الاستجابة لأوامر صاحبها.

في نصوصنا الدينية لا نجد البعد السياسي للعصيان إلا ما ندر لأن ذلك مرتبط بفهم سائد يتعلق بما يسمونه وجوب طاعة ولي الأمر!!

كما نجد أيضًا من الناحية الاعتقادية رؤية لماهية العصيان وتفصيله لدرجات، فالعاصي هو من ارتكب معصية ولم يجاهر بمعصيته، ولم يصرّ عليها، وأما الفاسق، فهو الخارج عن الطاعة، ويتظاهر بما يعرف بالمعصية ويصرّ عليها، وأما النوع الأخير فهو الكافر أي الجاحد، الذي لا يؤمن بالله ولا برسوله.

ما أنا بصدده هنا هو نوع من العصيان قليلا ما نضعه في هذا السياق، وهو إن صح التعبير (العصيان الحكومي)!! وهو عصيان أهل السلطة وعدم استجابتهم لمطالب الرأي العام ولعل خير مثال هو عصيان أهل السلطة في بلادنا ومقاومتهم لأي حل قد ينتهي بخسارة مواقعهم ومصالحهم الشخصية ومغادرتهم المشهد السياسي؛ وهي حالة تشابه عصيان أي ديكتاتور وتشبثه بموقعه وهو في عزلة عن مطالب الناس.

البشر يصنعون تاريخهم، ولكنهم لا يصنعونه في ظروف يختارونها. بل قد يولدون في واقع يسوده الظلم مليء بالإخفاقات فيلجأون إلى العصيان والتمرد للتعبير عن عدم رضاهم ورغبة للتغيير، وشعور بالمسؤولية تجاه ما يتركونه للأجيال القادمة.. والسلطة الظالمة تمارس بالمقابل العصيان لمطالب الناس تحت مبررات كثيرة من أشهرها، أن وراء تلك المطالب «مؤامرة» خارجية وأن تلك الجموع مغرر بها وأنها لا تعرف مصلحتها كل ذلك متزامن مع مفردات الخيانة والعمالة إلخ.

وتقديري أن هناك فرقًا مهمًا بين العصيان المدني الذي يؤتي نتائجه عاجلًا أم آجلًا وتتحقق مطالب الناس بشكل معقول نتيجة ذلك العصيان، أما ما سميته العصيان الحكومي أو عصيان أهل السلطة فنتيجته على الأغلب تنتهي بالخسران المبين ونهاية كارثية وإن تأخرت هزيمته بعض الوقت.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»