هل خطر على بالك أنك تعيش أكثر من نصف عمرك في الماضي؟ إما مـتأسفًا على فرص ضاعت، أو أمور مخجولة قمت بها؟ أو بهجة مارقة ما زلت تتذكرها، إن لم تتحسر على انتهائها، دون أن ترتوي منها؟ وكل ذلك يترك لك حسرة تفقدك جمال اللحظة التي استرجعت خلالها ما لن يعود أبدًا.
نحن نعيش أيامنا في الماضي، وتنساب دقائق عمرنا، ونحن إما نتألم أو نتبسم عما مضى! ناسين أننا تعيش عمرًا واحدًا، سواء ما مضى منه، أو ما تفكر فيه، أو ما تتطلع إليه!
إن السعداء حقًا هم الذين يعون بإيمان مطلق أن كل ما يحدث في دقيقة هو معجزة لن تتكرر، إن الدقيقة ذاتها هي أصل المعجزة لأنها حقيقة لن تتكرر أمام عينيك، فلا يتعين أن تفكر فيها، ولكن فكر فيما يبهجك فيها، قبل انسيابها؟
هل فكرت، مثلًا، وفي دقيقة واحدة؟ في تلك الشجرة، التي تراها يوميًا منتصبة أمام بيتكم، أو تلك التي تراها من شرفة بيتكم العامر؟ هل خطر على بالك أنها ينبوع كامل للحياة؟ أو أنها لوحة خضراء ترمز إلى الحياة نفسها؟ أو أنها مصنع إلهي لا مثيل له!
لعلك تكون قد غفلت، أو نسيت أن أساسها بذرة ضئيلة، واستطاعت أن تشق طريقها نحو السماء، ولم تتوقف جذورها اليانعة عن سحب المياه من جوف الأرض إلى أعلى أطرافها متحدية بإصرار بالغ الجاذبية الأرضية، وتظل حية، تفوق حياتنا قوة وصمودًا، وفوق ذلك تظل أطول عمرًا من الإنسان نفسه.
إن الأشجار، بالتأكيد، أطول عمرًا من الإنسان، وأيضًا مما يصنعه، وفوق ذلك تموت واقفة. تقول المصادر إن زلزالًا حدث سنة 1906 في كاليفورنيا، وكان خط التخلخل بمدينة (سان أندرياس) فانهارت المباني المشيدة وسقط حديدها، ولم يكتشف العلماء أي تصدع في جذع أية شجرة. وفي جوف شجرة بلوط في أميركا وجد العمال في لبها خاتم ذهب ثمينًا، وفي جوف شجرة أخرى وجدوا كتابًا مقدسًا.
والعلم يقول، وباختصار شديد نحن، أفراد المملكة الحيوانية، نستهلك أنفسنا بامتداد حياتنا؛ أما الأشجار فتدخر حيويتها بثباتها فتزداد عامًا بعد عام، تتطور وتزهو مع كل ربيع فتضيف إلى كيانها مظهرًا جديدًا من مظاهر الصبا، خضرة زاهية وأزهار، ويتواصل نموها.
في ضواحي مدينة (أواكساكا) شجرة (سرو) بالغة الضخامة لا يقدر على احتضانها وتطويقها إلاّ أربعة وعشرون رجلًا يمدون أذرعهم لآخر مداها، ممسكين ببعضهم البعض وجوههم ملتصقة في جذع الشجرة!
الكثير يقال عن الأشجار، وعن تكوينها وعجب حياتها ونموها، إن كل شجرة ليست إلا ينبوعًا عجيبًا للحياة، لوحة خضراء ترمز إلى الحياة نفسها.
باختصار شديد وضروري، إن ما نحتاجه، بين حين وآخر، وببساطة شديدة، هو الانتباه لما يكشفه لنا العلم، والتدبر الصادق في آيات الحق: (..رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) وبالتأكيد التأمل في هذه السورة: بسم الله الرحمن الرحيم: (وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ (3)).
والمرء، ليكون إنسانًا حقيقيًا، لا يحتاج إلاّ أساسيات، أو أركان هذه السورة العظيمة، القصيرة في كلماتها، العميقة في تكثيفها ومعانيها. إنها قانون إلهي شامل لأسباب الربح وأسباب الخسارة! فماذا يحتاج المرء في حياته ليكون مثاليًا لأكثر من هذه الأخلاق: الإيمان، والعمل الصالح، ومراعاة التعامل بالحق، فيما له لدى الغير، وما عليه إليهم؟ مؤكدًا، في النهاية، وبالضرورة على الصبر، الصبر على (تذاكي) الأطراف الأخرى في المعاملات ومحاولاتهم الفوز السريع بما يرون أنه حق لهم، أو ضرورة لا ينبغي التنازل عنها، حتى وإن لم تكن كذلك. الفائزون الرابحون هم الصابرون في معاملاتهم مع الآخرين. اللهم اجعلنا من الصابرين الشاكرين الحامدين.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات