بمجرد سقوط نظام الأسد في سورية، علقت معظم الدول الأوروبية البت في طلبات لجوء السوريين أو أوقفتها، وبعضها تحدث عن إجراءات الترحيل، وكأن سقوط نظام قمعي كاف لتتحول الدولة فجأة إلى جنة يعود إليها النازحون، والأمر أصبح أكثر تعقيدا من هذا الاختزال للظروف التي جعلت الملايين ينزحون في هذا العالم صوب جنة الغرب الموعودة، أو كما تخيلوها.
الاقتصاد هو ما يحرك ويرسم كل مرة خرائط العالم الديمغرافية، وهو ما حرك موجات التوسع والنزوح على مدى التاريخ، وحتى لو استقرت سورية أمنياً فإن اقتصادها يحتاج إلى عقد كامل، على الأقل، كي يتعافى ويستوعب عودة الملايين الذين فقدوا كل شيء إبان حرب شرسة تدخلت فيها قوى صغرى وقوى كبرى وتنظيمات إرهابية تقاطرت من كل حدب وصوب ، ومثل الربيع العربي تظاهر مئات الألوف من السوريين سلمياً مطالبين بحقوقهم غير أن مثل هذه الأنظمة المريضة الفتاكة لا يمكنها أن تقبل مشهداً للحشود إلا إذا كانت تهتف لها، وكما حدث في ليبيا استخدم النظام أدواته الفتاكة ومخزون أسلحته في مواجهة هذا الحراك، ومع الوقت تحولت هذه الثورة السلمية إلى حرب ضارية، وكان السوريون الحالمون بالتغيير وحدهم هم ضحية هذا التحالف بين نظام قمعي ودول جوار متربصة، وحرب باردة تعود للاشتعال.
بعكس مصر وتونس، سرعان ما تعسكرت ثورات ليبيا وسورية واليمن وتحولت إلى حروب، ولا يرجع السبب إلى اختلاف الشعوب لكن لاختلاف الأنظمة. والنتيجة هو هذا الدفق من النازحين إلى الجزء الشمالي من الكرة الأرضية واستبدال الهوية المكانية بهوية زمنية، والنزوح صوب ذاك الزمن المرصع بشعارات الديمقراطية وحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، وهجرة معظم السوريين كانت صوب ألمانيا ميركل التي فتحت الباب على مصراعيه، غير أن هواجس العنصرية والنازية سرعان ما استيقظت هناك، ورحلت ميركل لتنتعش بعدها الجماعات النازية التي تعتبر المهاجرين تهديدا لمستقبل ألمانيا وأوروبا كلها، وأمام خطاب شعبوي يشتغل على فكرة الهوية والنقاء العرقي تقدمت أحزاب يمينية متشددة في انتخابات عديد من الدول الأوروبية، بعضها وصل الحكم وبعضها قاب قوسين أو أدنى، فكان الربيع العربي حافزا لبداية خريف أوروبي في كل ما يتعلق بالقيم الإنسانية التي جعلت من أوروبا، الغربية خصوصا، ملاذ كل مضطهد وكل مظلوم.
ينسى الأوروبيون أن أكثر الهجرات كانت من الشعب اللبناني الذي لم يعان من دكتاتورية، وأن أعداد المهاجرين فترات الاستقرار السياسي ولأسباب اقتصادية أضعاف من هاجروا إبان الحرب الأهلية، وهاجر من الفلسطينيين من مخيمات لبنان فترة الحرب على غزة أضعاف من هاجروا من غزة في ظل حرب إبادة، كما أن الهجرة من شواطئ تونس تضاعفت بعد سقوط نظام زين العابدين وبداية نشوء الدولة الديمقراطية الجديدة، لأن نهاية دكتاتورية لا تعني أن الاقتصاد سيتحسن مباشرة وأن دوافع الهجرة قد انتهت، وأن معظم ديمقراطيات العالم النامي أجهضت بسبب أن التطور السياسي لم يناغمه تطور اقتصادي، بل كثير منها أصبح مناخا للفساد الذي فتك بمشاريع التنمية وإمكانيات النمو الاقتصادي الذي من شأنه أن لا يجعل من هذه الدول الداخلة إلى نادي الديمقراطيات طاردة.
فكانت دعايات الأحزاب وصور المرشحين ترفع في شوارع متهالكة تملؤها القمامة، وفوق رؤوس متسولين تكتظ بهم الأرصفة والقلة من يذهبون إلى صناديق الاقتراع لأنهم مشغولون بصناديق الزكاة والإحسان وبالبحث عن رغيف خبز. ليثبت الزمن أن الديمقراطية كأفضل حل، حتى الآن، لمعضلة السلطة السياسية ابتكرته البشرية لا يمكن أن ينجح إلا مع اقتصاد قوي ورفاه كي يجد الناس وقتا لممارسة حقوقهم السياسية.
من المفارقات أنه بمجرد انتهاء نظام الأسد وحلول تنظيمات مصنفة لديهم إرهابية مكانه علقوا طلبات اللجوء مع أن المنطق، وحسب التجربة، يخبرنا أن أعداد المهاجرين السوريين ستزيد في السنوات القادمة بما يشبه هجرات الإيرانيين والإيرانيات من حكم ولاية الفقيه، أو هجرة الأفغان بعد عودة طالبان، وهو شأن اجتماعي يتعلق بالحريات الشخصية يضاف إلى العامل الاقتصادي، ولا ننسى سيل المهاجرين من الأقليات الدينية بعد سقوط النظم الاستبدادية واندلاع الصراعات الطائفية كما حدث في العراق على سبيل المثال، لأن مفردة المؤمن في مثل هكذا أنظمة تحل محل مفردة المواطن.
من جانب آخر، تعلق بعض الدول الأوروبية طلبات اللجوء وتتحدث عن الترحيل أثناء قيام الكيان الصهيوني، في أول ثلاثة أيام بعد سقوط النظام، بتوجيه ما لا يقل عن 350 ضربة جوية وبحرية لمنشآت عسكرية وبحثية في مدن سورية (وفق المرصد السوري) جعلت الكثير من النازحين يتركون بيوتهم المتضررة ويسيرون بأطفالهم في عتمة الليل وفي كل اتجاه، بينما النازحون من معبر المصنع إلى لبنان أضعاف الراجعين منه، وفي الوقت نفسه كانت نزاعات مسلحة تنشب بين الجماعات المسلحة المدعومة من تركيا وقوات قسد في الشمال في شمال سورية، وفي الجنوب المتاخم لهضبة الجولان يوقف الكيان الصهيوني العمل باتفاقية الهدنة وفض الاشتباك الموقعة في العام 1974 ويتوغل داخل الأراضي السورية لحيازة منطقة عازلة كما يقول على بعد 30 كم من دمشق، لتخلق سيناء جديدة لن ترجعها إلى سورية إلا باتفاقية سلام. وفي هكذا تعقيد للمسألة السورية حيث تنهش من الخارج ومن الداخل تغدو فكرة ترحيل السوريين أمرا محفوفا بالمخاطر، بل المتوقع أن تزداد أعداد المهاجرين.
وكما علمنا التاريخ وفي كل مكان، تداعيات سقوط نظام شمولي شرس ستستمر لعقود أخرى والصراع على التركة لن يتوقف في زمن منظور، لكن أوروبا تبحث عن ذريعة للتخلص مما تورطت فيه من فتح أبوابها للاجئين وللتخلص من ضغوط الأحزاب اليمينية التي جعلت منها ورقة اللاجئين في الصدارة، فرغم كل الكلام الهامس والجميل الذي يقوله الجولاني لوسائل الإعلام يأتي ضمن ما يسمى فقه الضرورة، وضمن تكتيك التمسكن حتى التمكن المشرعن، ولا شيء الآن مرعب في سورية أكثر من خوض حوارات حول السماح بتعليم المرأة، ومجرد أن يخاض حوار في هذه الشأن في سورية مخترعة الأبجدية الأولى فإن الأمر مفجع، ويصبح الخبر الأول في نشرات العالم «تعيين أول امرأة في الحكومة السورية» وينسون أنهم يتحدثون عن سورية، ودمشق قلب الشام المؤسسة لفنون وثقافة معظم الحواضر العربية.
يحق لكل حر في هذا العالم أن يفرح لسقوط نظام قمعي شرس مثل نظام الأسد، ولكن أتمنى أن هذا الفرح لا يعمينا عن البديل الذي قد يكون أشرس من النظام الساقط، مهما حاول العالم تجميله لن يتقبل فكرة الديمقراطية ولا لافتات الدولة المدنية أو العلمانية التي يرفعها متظاهرون في الساحات، ولا يمكن لمن كان قبل شهر يتحدث بلغة الظواهري والبغدادي أن يتحدث فجأة بلغة مانديلا أو غاندي، وهذا التحول المعجز لن يحدث إلا بعد أن يبتكر العلم والطب إمكانية لزراعة المخ داخل الجمجمة كما زرع القلب أو الرئة، وهو أمر مستبعد إلى أجل غير مسمى.
أكتب كل هذا وفق متابعتي لبعض المواقع وبعض القنوات التي حقيقية لا أثق فيها وأعتذر من كل سوري في الداخل يفهم ما يحدث أكثر مني ومن كل المحللين الذين يملؤون الآن وسائل الإعلام ويتحدثون عن سورية من خارجها، أعتذر لأن ما حدث فترة الأزمة الليبية رسخ عندي فكرة التلاعب التلفزيوني بالعقول وبأولئك المتحدثين عن مكان ومجتمع لا يعرفونه، وكنت أحس أنهم حين يتحدثون عن ليبيا يتحدثون في الواقع عن مكان آخر لا أعرفه باعتبار أني كنت في قلب الأزمة وأعرف الكثير مما يحدث والذي يظهر في وسائل الإعلام بشكل مشوه، جهلا أو قصدا. خصوصا حين تتحدث بعض شبكات الإعلام العربية الضخمة عما يحصل في مدينتي درنة، فكانت تقدم إرهابييها الذين ذبحوا نخبتها كثوار يقاومون ثورة مضادة، بعد أن هذبوا لحاهم وألبسوهم ملابس عصرية وجعلوهم يتحدثون عن المستقبل بلغة هامسة، كما يحدث الآن مع أبومحمد الجولاني، الذي تحول بمعجزة من تسميته «إرهابي» إلى الرجل البراغماتي.
لكن ما يشجعني أن ما حدث ويحدث في سورية شبيه بما حدث لدينا إلى حد كبير، وأعرف أن ممثلي الإسلام السياسي بكل تدرجات تشدده هم من أحبطوا هذا الربيع العربي لأسباب تتسق مع عقائدهم، فقاموسهم يخلو من مصطلحات الدولة الوطنية ومن الديمقراطية حين تعني التداول السلمي للسلطة، بل من مفردات مثل الوطن أو المواطنة، لأن قاموسهم الحافل بمفردات (الأخوان) أو (الأخوة) أو (الأخ في الإسلام) لا تعترف بحدود الدولة ولا بفكرة المواطنة، وهذا ما انعكس في أول خطبة (خطبة وليس خطابا) للجولاني في الجامع الأموي حين اعتبر سقوط نظام بشار انتصارا للأمة الإسلامية، كما أنه لم ينطق في خطبه ولا في الحوارات التي أجريت معه مفردات مثل: الديمقراطية، الدولة المدنية، الأحزاب، أو تداول السلطة سلمياً، وكانت تطميناته موجهة في معظمها تجاه الخارج: الغرب، ودول الإقليم، و(إسرائيل) التي جاءت ضمنيا في سياق طمأنته لكل دول الجوار.
وهو يدرك أنه على رأس تحالف فصائل مسلحة لم يوحدها سوى عدوها المشترك، نظام الأسد، وهي فصائل حاربت ومات كثير من رفاق أفرادها في سبيل هدفها المعلن وهو تطبيق الشريعة الإسلامية، ولو ذكر (القائد الجديد) مفردات الدولة المدنية السابق ذكرها لانفضت الفصائل من حوله، ولربما بدأت حرب أخرى في شوارع دمشق.
يقول صحفي سوري حين أمر الجولاني بتغطية شعر فتاة رغبت في التصوير معه: «استبدلنا دكتاتوراً بدكتاتور رجعي».
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات