Atwasat

قريتنا البيضاء

منصور بوشناف الخميس 19 ديسمبر 2024, 01:16 مساء
منصور بوشناف

في‭ ‬قرية‭ ‬‮«‬علي‭ ‬الزويك‮»‬‭ ‬البيضاء‭ ‬تبدو‭ ‬الأمور‭ ‬هادئة‭ ‬والتكوينات‭ ‬متناغمة،‭ ‬إنها‭ ‬لحظة‭ ‬سلام‭ ‬ووئام‭ ‬بين‭ ‬عناصر‭ ‬اللوحة،‭ ‬بين‭ ‬الرسام‭ ‬ومواده،‭ ‬بين‭ ‬اللوحة‭ ‬ومتلقيها،‭ ‬لكأن‭ ‬غيث‭ ‬الفن‭ ‬غسل‭ ‬بفرشاته‭ ‬كل‭ ‬شيء‭ ‬ثم‭ ‬أجلسَ‭ ‬قريته‭ ‬نظيفة‭ ‬مشعة‭ ‬تحت‭ ‬شموس‭ ‬الذكريات‭ ‬والحنين‭.‬

‮«‬القرية‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬لوحة‭ ‬الفنان‭ ‬الليبي‭ ‬‮«‬علي‭ ‬الزويك‮»‬‭ ‬كانت‭ ‬لحظة‭ ‬فارقة‭ ‬في‭ ‬تجربته،‭ ‬لكأنها‭ ‬لحظة‭ ‬وداع‭ ‬لمرحلة،‭ ‬نظرة‭ ‬أخيرة‭ ‬لمكان‭ ‬كان،‭ ‬لقرية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬إلا‭ ‬ذكرى،‭ ‬بياضها‭ ‬كفن،‭ ‬واللوحة‭ ‬نظرة‭ ‬وداع،‭ ‬هي‭ ‬لوحة‭ ‬السبعينيات‭ ‬من‭ ‬قرن‭ ‬ليبيا‭ ‬الماضي‭ ‬بامتياز،‭ ‬لحظات‭ ‬‮«‬التخمة‭ ‬النفطية‮»‬‭ ‬لحظة‭ ‬إسلام‭ ‬القرية‭ ‬لروحها‭ ‬وصعودها‭ ‬لفضاء‭ ‬الفن‭ ‬ومراثيه‭.‬

في‭ ‬تلك‭ ‬الأثناء،‭ ‬أثناء‭ ‬تخمة‭ ‬النفط‭ ‬الليبية،‭ ‬كان‭ ‬‮«‬البلدوزر‮»‬‭ ‬يلتهم‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬من‭ ‬قرى‭ ‬بيضاء‭ ‬كثيرة‭ ‬عبر‭ ‬القارة‭ ‬الليبية‭ ‬العجيبة،‭ ‬كانت‭ ‬بيوتها‭ ‬وأزقتها‭ ‬تهدم‭ ‬ويلقى‭ ‬بهشيمها‭ ‬إلى‭ ‬صحراء‭ ‬العدم،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬ضجيج‭ ‬هتافات‭ ‬التجديد‭ ‬ودفن‭ ‬الماضي‭ ‬البغيض‭.‬

قرية‭ ‬اللوحة‭ ‬الليبية‭ ‬البيضاء‭ ‬تواصل‭ ‬رحلتها‭ ‬في‭ ‬أعمال‭ ‬فنانين‭ ‬ليبيين‭ ‬آخرين،‭ ‬رغم‭ ‬خراب‭ ‬القرية‭ ‬واختفائها،‭ ‬وتجربة‭ ‬الفنان‭ ‬‮«‬عبدالقادر‭ ‬بدر‭ ‬‮«‬تبدو‭ ‬الأغزر‭ ‬والأكثر‭ ‬تفرغا‭ ‬لهذه‭ ‬القرية‭ ‬البيضاء،‭ ‬فقد‭ ‬أنتج‭ ‬لوحات‭ ‬كثيرة‭ ‬لهذه‭ ‬القرية‭ ‬وبياضها‭ ‬وهو‭ ‬يذوي‭.‬

لوحات‭ ‬‮«‬عبدالقادر‭ ‬بدر‮»‬‭ ‬لحظات‭ ‬من‭ ‬عمر‭ ‬القرية،‭ ‬التقاطات‭ ‬لأبوابها‭ ‬وشبابيكها،‭ ‬لحظات‭ ‬في‭ ‬أزقتها،‭ ‬اللوحة‭ ‬ليست‭ ‬إلا‭ ‬تنقيبا‭ ‬في‭ ‬ركام‭ ‬القرية‭ ‬البيضاء‭ ‬واستخراج‭ ‬ما‭ ‬تبقى‭ ‬للترميم،‭ ‬واللوحات‭ ‬أحيانا‭ ‬لحظات‭ ‬تداعي‭ ‬القرية‭ ‬وانهيارها‭ ‬بين‭ ‬أسنان‭ ‬البلدوزر‭ ‬الأصفر‭.‬

في‭ ‬‮«‬المدينة‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬المجموعة‭ ‬القصصية‭ ‬للراحل‭ ‬الكبير‭ ‬‮«‬كامل‭ ‬المقهور‮»‬‭ ‬والتي‭ ‬تقدم‭ ‬نفسها‭ ‬بلوحة‭ ‬‮«‬القرية‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬لعلي‭ ‬الزويك‭ ‬كغلاف،‭ ‬ترسم‭ ‬المجموعة‭ ‬حياة‭ ‬المدينة‭ ‬البيضاء‭ ‬طرابلس‭ ‬القديمة‭ ‬التي‭ ‬كانت‭ ‬مهددة‭ ‬أيضا‭ ‬بالبلدوزر،‭ ‬وتعاني‭ ‬الموت‭ ‬البطيء‭ ‬إهمالا‭ ‬ونكرانا،‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬المجموعة‭ ‬نلقي‭ ‬مع‭ ‬كامل‭ ‬المقهور‭ ‬النظرة‭ ‬الأخيرة‭ ‬على‭ ‬حياة‭ ‬كانت‭ ‬ونماذج‭ ‬طافحة‭ ‬بالإنسانية‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬موجودة‭.‬

أثناء‭ ‬إعدادنا‭ ‬لمسرحية‭ ‬‮«‬جالو‮»‬‭ ‬عن‭ ‬قصة‭ ‬لصادق‭ ‬النيهوم‭ ‬في‭ ‬تسعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬كنت‭ ‬والمخرج‭ ‬الراحل‭ ‬‮«‬محمد‭ ‬العلاقي‮»‬‭ ‬قد‭ ‬وضعنا‭ ‬لوحة‭ ‬‮«‬القرية‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬لعلي‭ ‬الزويك‭ ‬كعنصر‭ ‬أساسي‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬المسرحي،‭ ‬فظهرت‭ ‬بيوت‭ ‬القرية‭ ‬البيضاء‭ ‬متلاصقة‭ ‬متماسكة،‭ ‬يتكئ‭ ‬أحدها‭ ‬على‭ ‬الآخر،‭ ‬ثم‭ ‬جعلنا‭ ‬الإضاءة‭ ‬تشع‭ ‬من‭ ‬داخلها‭ ‬إلى‭ ‬خارجها‭ ‬إلى‭ ‬الفضاء‭ ‬المشترك‭ ‬بين‭ ‬البيوت‭ ‬والناس،‭ ‬كانت‭ ‬قريتنا‭ ‬البيضاء،‭ ‬هادئة‭ ‬وادعة‭ ‬للوهلة‭ ‬الأولى،‭ ‬ولكن‭ ‬كل‭ ‬ذلك‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬إلا‭ ‬لحظة‭ ‬وداع،‭ ‬نظرة‭ ‬أخيرة‭ ‬قبل‭ ‬بداية‭ ‬المسرحية،‭ ‬فكوابيس‭ ‬سلطانها‭ ‬ورعبه‭ ‬من‭ ‬نهاية‭ ‬ملكه‭ ‬وموته،‭ ‬تهز‭ ‬أركان‭ ‬بيوت‭ ‬القرية‭ ‬البيضاء،‭ ‬تدمر‭ ‬بيوتها‭ ‬وتقطع‭ ‬نخلها‭ ‬وتعدها‭ ‬لقمة‭ ‬سائغة‭ ‬لطوفان‭ ‬الرمل‭ ‬الذي‭ ‬يبتلعها‭ ‬ويطوي‭ ‬تلك‭ ‬القرية‭ ‬البيضاء‭.‬

طرابلس‭ ‬‮«‬قريتنا‭ ‬البيضاء‮»‬‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬عيون‭ ‬الرحالة‭ ‬الأوروبيين‭ ‬‮«‬قرية‭ ‬بيضاء‮»‬‭ ‬منذ‭ ‬بدايات‭ ‬رحلاتهم‭ ‬الاستكشافية‭ ‬ثم‭ ‬غزواتهم‭ ‬في‭ ‬العصر‭ ‬الحديث،‭ ‬فصورتها‭ ‬الأولى‭ ‬للقادم‭ ‬من‭ ‬البحر‭ ‬يسودها‭ ‬البياض‭ ‬أولا،‭ ‬ثم‭ ‬يزاوج‭ ‬أخضر‭ ‬البساتين‭ ‬ذاك‭ ‬البياض،‭ ‬تلك‭ ‬النظرة‭ ‬الأوروبية‭ ‬الأولى‭ ‬لطرابلس،‭ ‬وتلك‭ ‬نظرتنا‭ ‬الأخيرة‭ ‬لقرانا‭ ‬البيضاء‭ ‬سبعينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي‭ ‬ونحن‭ ‬نخرج‭ ‬من‭ ‬ذواتنا‭ ‬وننشق‭ ‬عنها‭ ‬ثم‭ ‬نحاول‭ ‬العودة‭ ‬لها،‭ ‬إلى‭ ‬مدينتا‭ ‬البيضاء‭ ‬وقد‭ ‬أضنانا‭ ‬التيه‭ ‬والفراغ،‭ ‬لا‭ ‬نعثر‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬بقايا‭ ‬أبواب،‭ ‬نوافذ‭ ‬صغيرة،‭ ‬بعض‭ ‬من‭ ‬أقواس،‭ ‬مقاطع‭ ‬من‭ ‬موسيقى‭ ‬وسجاد،‭ ‬خميسة‭ ‬من‭ ‬فضة،‭ ‬صفحة‭ ‬من‭ ‬كتاب،‭ ‬وكل‭ ‬ذلك‭ ‬تحت‭ ‬ركام‭ ‬من‭ ‬الاغتراب‭ ‬والنسيان‭.‬

اللوحة‭ ‬الليبية‭ ‬البيضاء،‭ ‬حنيننا‭ ‬وتطلعنا،‭ ‬شوقنا‭ ‬وتشوفنا،‭ ‬خاتمة‭ ‬نوبة‭ ‬مالوفنا‭ ‬‮«‬طابت‭ ‬أوقاتي‭ ‬واجتمع‭ ‬شملي‭ ‬بذاتي‮»‬‭ ‬حلمنا‭ ‬الذي‭ ‬لا‭ ‬يزال‭ ‬بعيد‭ ‬المنال،‭ ‬بيتنا‭ ‬الذي‭ ‬نخرج‭ ‬بقاياه‭ ‬من‭ ‬تحت‭ ‬الركام‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»