في قرية «علي الزويك» البيضاء تبدو الأمور هادئة والتكوينات متناغمة، إنها لحظة سلام ووئام بين عناصر اللوحة، بين الرسام ومواده، بين اللوحة ومتلقيها، لكأن غيث الفن غسل بفرشاته كل شيء ثم أجلسَ قريته نظيفة مشعة تحت شموس الذكريات والحنين.
«القرية البيضاء» لوحة الفنان الليبي «علي الزويك» كانت لحظة فارقة في تجربته، لكأنها لحظة وداع لمرحلة، نظرة أخيرة لمكان كان، لقرية لم تعد إلا ذكرى، بياضها كفن، واللوحة نظرة وداع، هي لوحة السبعينيات من قرن ليبيا الماضي بامتياز، لحظات «التخمة النفطية» لحظة إسلام القرية لروحها وصعودها لفضاء الفن ومراثيه.
في تلك الأثناء، أثناء تخمة النفط الليبية، كان «البلدوزر» يلتهم ما تبقى من قرى بيضاء كثيرة عبر القارة الليبية العجيبة، كانت بيوتها وأزقتها تهدم ويلقى بهشيمها إلى صحراء العدم، وكل ذلك تحت ضجيج هتافات التجديد ودفن الماضي البغيض.
قرية اللوحة الليبية البيضاء تواصل رحلتها في أعمال فنانين ليبيين آخرين، رغم خراب القرية واختفائها، وتجربة الفنان «عبدالقادر بدر «تبدو الأغزر والأكثر تفرغا لهذه القرية البيضاء، فقد أنتج لوحات كثيرة لهذه القرية وبياضها وهو يذوي.
لوحات «عبدالقادر بدر» لحظات من عمر القرية، التقاطات لأبوابها وشبابيكها، لحظات في أزقتها، اللوحة ليست إلا تنقيبا في ركام القرية البيضاء واستخراج ما تبقى للترميم، واللوحات أحيانا لحظات تداعي القرية وانهيارها بين أسنان البلدوزر الأصفر.
في «المدينة البيضاء» المجموعة القصصية للراحل الكبير «كامل المقهور» والتي تقدم نفسها بلوحة «القرية البيضاء» لعلي الزويك كغلاف، ترسم المجموعة حياة المدينة البيضاء طرابلس القديمة التي كانت مهددة أيضا بالبلدوزر، وتعاني الموت البطيء إهمالا ونكرانا، في هذه المجموعة نلقي مع كامل المقهور النظرة الأخيرة على حياة كانت ونماذج طافحة بالإنسانية لم تعد موجودة.
أثناء إعدادنا لمسرحية «جالو» عن قصة لصادق النيهوم في تسعينيات القرن الماضي، كنت والمخرج الراحل «محمد العلاقي» قد وضعنا لوحة «القرية البيضاء» لعلي الزويك كعنصر أساسي في المشهد المسرحي، فظهرت بيوت القرية البيضاء متلاصقة متماسكة، يتكئ أحدها على الآخر، ثم جعلنا الإضاءة تشع من داخلها إلى خارجها إلى الفضاء المشترك بين البيوت والناس، كانت قريتنا البيضاء، هادئة وادعة للوهلة الأولى، ولكن كل ذلك لم يكن إلا لحظة وداع، نظرة أخيرة قبل بداية المسرحية، فكوابيس سلطانها ورعبه من نهاية ملكه وموته، تهز أركان بيوت القرية البيضاء، تدمر بيوتها وتقطع نخلها وتعدها لقمة سائغة لطوفان الرمل الذي يبتلعها ويطوي تلك القرية البيضاء.
طرابلس «قريتنا البيضاء» تظهر في عيون الرحالة الأوروبيين «قرية بيضاء» منذ بدايات رحلاتهم الاستكشافية ثم غزواتهم في العصر الحديث، فصورتها الأولى للقادم من البحر يسودها البياض أولا، ثم يزاوج أخضر البساتين ذاك البياض، تلك النظرة الأوروبية الأولى لطرابلس، وتلك نظرتنا الأخيرة لقرانا البيضاء سبعينيات القرن الماضي ونحن نخرج من ذواتنا وننشق عنها ثم نحاول العودة لها، إلى مدينتا البيضاء وقد أضنانا التيه والفراغ، لا نعثر إلا على بقايا أبواب، نوافذ صغيرة، بعض من أقواس، مقاطع من موسيقى وسجاد، خميسة من فضة، صفحة من كتاب، وكل ذلك تحت ركام من الاغتراب والنسيان.
اللوحة الليبية البيضاء، حنيننا وتطلعنا، شوقنا وتشوفنا، خاتمة نوبة مالوفنا «طابت أوقاتي واجتمع شملي بذاتي» حلمنا الذي لا يزال بعيد المنال، بيتنا الذي نخرج بقاياه من تحت الركام.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات