بسقوط نظام آل الأسد في سورية، سقطت آخر قلاع وحصون القوميين العرب، وأُسدلت السِّتارة على مرحلة تاريخية عربية عصيبة، بدأت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وها نحن نشهد بداية مرحلة جديدة. الإسلامويون لاعبوها الوحيدون بمختلف شيعهم وطوائفهم وراياتهم، يتصارعون فيما بينهم، على أي منهم أحق بأن يكون الفرقة الناجية من النار!
نهاية الأنظمة الغوغائية العروبية الشوفينية حدثت فعلياً، وفي وقت مبكر، أي منذ 57 عاماً، وتحديداً بهزيمتهم المذلة أمام إسرائيل يوم 5 يونيو 1967.
تلك الهزيمة أسقطت ورقة التوت عنهم وعرّتهم، وأبانت أنّهم نمورٌ من ورق. وأن مشروعهم النهضوي الوحدوي الاشتراكي العروبي ميّت منذ الولادة، لأنهم خالفوا شروط النهضة بمعاداتهم الحرية والديمقراطية،. وبدلاً من الاعتراف بالهزيمة، وإخلاء المسرح، فضلوا البقاء محتضرين على سرير في العناية المركزة لما يقرب من ستة عقود.
الآن، وقد رحلوا مطرودين مهانين منهزمين، خلا المسرح لأعدائهم من الإسلامويين بمختلف فرقهم. وعلى شعوبنا العربية الانتظار لمدة نصف قرن أو يزيد، وعدة من كوارث سياسية وعسكرية أخرى، كي يتخلصوا منهم. وبعدها عليهم الجلوس والتفكير إما بالعودة إلى نقطة الصفر، أو انتظار حدوث معجزة.
قرنٌ من الزمان ضاع في نفيخ النار، واحسرتاه. وعلينا الآن جميعاً التأهب والاستعداد لدخول المختبر السياسي من جديد. الغرض إتاحة الفرصة للإسلامويين لإجراء تجاربهم السحرية، بهدف استعادة ماض، يرددون قائلين أنه الدواء لكل داء أصاب جسد الأمة!
من قدر سورية أنّها كانت المهد الذي شهد انبثاق الحركة القومية. وقدرها ثانية أنها ستحظى بشرف بدء العصر الإسلاموي الحديث تحت قيادة زعيم اسمه أبو محمد الجولاني. له تاريخ موثق في الحركات الجهادية المتطرفة. رمى الجلابية السوداء والعمامة، وارتدى مكانهما بدلة عسكرية إفرنجية، وأعلن على الملأ نهاية أبومحمد الجولاني، وولادة أحمد الشرع.
«كفرت بمستقبل لا يجيء، وحتى عندما يجيء يكون أكثر سواداً» هذا ما قاله بطل رواية القلعة الخامسة، للعراقي ضياء العزاوي. قرأت تلك الرواية في النصف الأول من السبعينيات من القرن الماضي، وانتقشت تلك الجملة في ذاكرتي كالوشم. هل كان العزاوي على علم بما سيحدث، أم أن بصيرة الفنان الثاقبة، ومحنة المناضل الذي كانه، وما تعرض له شخصياً من محن، وتلك الأخرى التي عايشها في وطنه العراق، وفي غيره من بلدان العرب، جعلته يرى منذ خمسة عقود مضت لون المستقبل الذي سنعيشه؟
العديد من الأسئلة يطل برأسه ويفرض حضوره علينا. وعلى سبيل المثال، لماذا الإصرار على مواصلة سياسة جر الناس بالسلاسل إلى جنة موعودة؟ ألا يكفي الناس ما عايشوا وذاقوا من جنان؟ ولماذا يدفع الناس أثمانًا باهظة من حيواتهم ومستقبلهم مقابل أوهام لا سبيل إلى تحققها؟ ولماذا لا يتعلم القادمون الجدد الدرس مما حدث ويحدث في جنة إيران؟
الحرية أول شروط أي جنة موعودة. والعلم والتكنولوجيا أساسها. ومكافحة الجهل والفقر والمرض والفساد أركانها. وبناء الأوطان والمستقبل عنوانها، والطريق نحوها واضح وصريح.
جنّة القوميين قادت الشعوب العربية إلى هاوية سحيقة، ولن تكون جنّة الإسلامويين الموعودة، مهما حاولوا، بأفضل منها. ولا فرق في السجون بين أن يكون السجان قوميًا ناصرياً أو قومياً بعثياً، أو إسلاموياً ومن الفرقة الناجية من النار.
من حق الشعب السوري أن يبتهج ويفرح ويتنفس الصعداء ويتنشق نسيم التحرر من الذل والعسف والقهر والقمع والاضطهاد. ومن حقه كذلك ألا يعود إلى المعاناة وتحمل الألم والتضحية من أجل تحقيق أوهام لا سبيل إلى تحققها في عالم تحكمه القوة، وتقوده المصلحة، وأداته العلم والثقافة.
أفيقوا يرحمكم الله، وانزعوا عن أعينكم نظارات الأيديولوجيا، وانظروا الواقع بعيونكم، فقد كفانا ما لقينا وما قدمناه من تضحيات باهظة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات