كان «لويس السادس عشر» آخر الملوك الفرنسيين وأول* ملك يقدم للمحاكمة في أوروبا، ليقطع رأسه بمقصلة الثورة وسط الميدان وبحضور الناس، كان مشهداً تاريخياً لنزع آخر قداسات الملوك في أوروبا الحديثة، فالملك كان مقدساً ولا يمكن إهانة ذاته وصفاته، فما بالك بقطع رأسه أمام عيون شعبه؟
ذلك المشهد كان مفصلاً بين تاريخين من مسيرة الإنسان طلباً للحرية والحياة، فما قبل ذلك المشهد، كان تاريخاً طويلاً، مؤلماً ومرعباً، عاشه الإنسان قناً وعبداً ورقيقاً، ملك روحه وجسده شيوخ وملوك وفرسان وطبقات من طفيليات، كبرت واستغولت على جهده وعرقه وآلامه.
«لويس السادس عشر» كان ملكاً مراهقاً، عبث بمقدرات فرنسا واقتصادها، فعاش عبثه بأموال الاقتراض والسلف، ليغرق البلاد في الديون ويرهنها للمرابين، ولينحدر المواطن إلى هوة الجوع إثر الضرائب التي كان على حكومة الملك أن تفرضها كل صباح على ذلك المواطن الفقير، لتزيد من فقره فقراً ومن بؤسه بؤساً أكثر، ولتزيد ـ بالطبع ـ من ثراء الأثرياء ثراءً.
«لويس السادس عشر» كان يرى أن أسباب كل ما يثير شعبه ضده هو المؤامرة الإنجليزية ضد مملكته وعرشه ووطنه، وأن أعداءه المحليين ليسوا إلا عملاء للإنجليز، ليسوا إلا خونة للوطن؛ لذا كان عليه أن يدمر الإنجليز حيثما أمكنه، بالتأكيد بعد القضاء على العملاء المحليين.
الأميركيون وفي ذلك الوقت بالتحديد، كانوا أمة تتشكل وتنمو، ولكن تحت الاستعمار الإنجليزي، كان الشعور القومي الأميركي قد نضج ووصل إلى قرار الاستقلال عن الإنجليز وخوض حرب التحرير ضد الاستعمار «مثلنا تماماً» واشتعلت حرب تحرير أميركا من الاستعمار، وربما ظهرت أناشيد أميركية ضد الاستعمار، وربما خطب السياسيون ورجال الدين محرضين الأمة الأميركية على مقاومة الاستعمار والمطالبة بالاستقلال وتلك كانت اللحظة التاريخية للويس السادس عشر، ليحقق حلمه بهزيمة الإنجليز والانتقام منهم.
وتحول لويس السادس عشر، الملك الإقطاعي، عدو الشعب، فجأة إلى نصير للحرية ولحق الشعوب في تقرير مصيرها وبناء دولها القومية المستقلة، تحول إلى نصير لحركة التحرير الأولى في التاريخ الحديث، فزاد الضرائب على فقراء شعبه لنصرة ثوار أميركا، وأرسل المال والسلاح للمناضلين من أجل حرية واستقلال الأمريكان، ثم أرسل الجنود وبالتأكيد الخبراء للمساعدة في هزيمة الاستعمار الإنجليزي.
فكرة الثورة التي كان لويس السادس عشر، لا يراها إلا أداة يهزم بها أعداءه الإنجليز بعيدًا عن بلاده وشعبه وعرشه، وصلت نضجها الكامل تحت عرشه لتزلزله وتهدمه، تقطع رأسه «النصير للثوار البعيدين» في مشهد فاصل بين تاريخين.
بنفس التصوير والمونتاج والعرض، يعاد إنتاج هذا العمل الترجيكوميدي البديع في بدايات قرننا الجديد، فتندفع الممالك المحافظة لدعم شعوب جيرانها المتطلعة للحرية والاستقلال، فتدعم الثورات بالمال والسلاح والجنود والخبراء، وتفرغ خزائنها دعماً للحرية والديمقراطية والحكم الرشيد «خارج ممالكها» بالطبع، دون أن تدرك أو أن القدر «أغشاها فهي لا تبصر» وذلك يستوجب منا «الحمد لله كثيرًا».
رغم كل الدهاء والحذر الذي تتمع به تلك الممالك ومستشاروها اللامعون، واختيارها لقوى محافظة ولا تؤمن في غالبها بالديمقراطية، وحرية الإنسان وحقوقه، لتكون بديلاً للحكام الفاشيين الساقطين، فإنها لا ترى مصير لويس السادس عشر وثوار أميركا، فالثورة وإن بدت محافظة وماضوية فإنها محكومة بقدر السير إلى الأمام وتحقيق حرية المواطن، مهما تحفظت وقيدت وحتى قتلت، إنها انفلات وطوفان لن تصده سدود.
ممالكنا العربية النفطية كانت وكما كان لويس السادس عشر تماماً، داعماً لحرية وانتصار الثورات العربية، ولكنها تنتبه الآن إلى درس لويس السادس عشر، فتحاول أن توقف الطوفان فتدفع أموالها وترسل جنودها وخبراءها، لإيقاف واعتقال فكرة الثورة، ولكن القطار فات، والفكرة وصلت إلى تحت عروش تلك الممالك، وإسقاط تصورها وتصميمها لثورات وثوار على مقاس مطامحها في البقاء والخلود.
* لعل أول ملك يحاكم ويعدم في أوروبا هو الملك تشارلز الأول ملك بريطانيا الذي أعدمه كرومويل، مؤسس الجمهورية الوحيدة في التاريخ الإنجليزي، سنة 1649. (المحرر).
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات