Atwasat

المناضل صالح الغزال في مختصر سيرته

أمين مازن الأحد 01 ديسمبر 2024, 02:39 مساء
أمين مازن

كان السيد صالح الغزال واحدًا من الأسماء التي سكنت الذاكرة دون أن يتسنى لي التواصل معها عندما أودعت السجن المركزي بمفتتح سبعينيات القرن الماضي ولم يبق من العام المذكور إلا ربعه الأخير بعد أن سبقها للسجن رجال العهد الملكي الذين كان لا مناص من سجنهم تحفظًا أو خشية وقد تلاهم يومئذ الجناح الذي مثله السيدان آدم الحواز وموسى أحمد حاملا حقيبتي الدفاع والداخلية بأول حكومة شكلها العهد برئاسة الدكتور محمود المغربي العائد من المهجر في خمسينيات القرن، والذي قرر مواصلة دراسته العليا بأميركا على نفقته الخاصة بعد أن تمكن من ادخار ما ساعده على تحقيق مهمته تلك.

إنها الحكومة التي لم تسترح لها الشقيقة الكبرى مصر بما لديها من الثقل وما سارعت به من الاعتراف بالعهد الجديد وإيفاد عدد من خبرائها تقدمهم الصحفي الكبير محمد حسنين هيكل ورجل الأمن المعروف فتحي الديب والخبير الإذاعي أمين البسيوني، ليعود هيكل من حيث أتى فيما يحتل الديب مكانه المرموق في الصفوف الأمامية حيث إنه يفاتح السيد موسى أحمد - كما رويت عنه وهو يخرج من سجنه - إمكانية مقابلة الرئيس عبدالناصر من وراء القذافي، لولا أن أخلاق موسى لم تسمح له بقبول العرض.

وحان يومئذ سجنه ليأتي دور أكبر مجموعة حَوَت عددًا من ضباط الشرطة والجيش وبعض المدنيين الموجودين بسبها ممن وُسِموا بمؤامرة الجنوب متزامنة مع قائمة بنغازي وما حولها التي ضمت أسماء عالم الاجتماع عبدالمولى دغمان والمناضل اليساري ورجل القانون أحمد بورحيل وأحمد يونس نجم الوزير ورجل الإعلام في آخر حكومة والسيدين أحمد الزبير السنوسي الضابط الكبير وراشد الزبير الشاعر المعروف وبينهم بالطبع صالح الغزال لِتُفتَح معهم جميعًا جلسات التحقيق التي شهدت ما لا عين رأت ولا أذن سمعت من التعذيب الذي تولاه عدد من الليبيين العاملين في أكثر من جهاز وقد جمعوا بين من اكتفى بما كُلِّفَ به ومن بالغ وتلذذ وتقرَّبَ.

وكان يصل تباعًا إلى الناس كافة ويخلق من ردود الأفعال التي لا يبخل الناس بالتعبير عنها واستشعار النقص الذي يرافق المتورطين ولا يخفون احترامهم لمن يختار المسلك الأهون ونبذهم لمن تستدرجه المزاودة الحقيرة، وتمّت ـ كما يقول التعبير الشعبي ـ أيام الحبس ولياليه وخرج صالح الغزال مع من خرج في العام الثامن والثمانين؛ أي بعد ثماني عشرة سنة ليقضي بعد ذلك عقدين كاملين ويتمكن من كتابة مذكراته ذات الثلاثمائة صفحة، جامعة ما وعت ذاكرته ومرفقة بصور بعض الذين شاركوه محنته وأناروا الطريق أمامه وبصّروه بخطورة الحكم اللاقانوني ولا سيما عبداللطيف البغدادي وكمال الدين حسين رفيقي الرئيس عبدالناصر مما جعل من عمله جديرًا بالتقدير، ليس فقط لما أثبته من الحرص على تقديمه في هذه الصورة وإنما لما حرص فيه على التسامح والحذر من التشفٍّي والذي جعلني استدعي بقوة الراحل موسى أحمد الذي قُدِّرَ لي أن يكون جليسي اليومي منذ خروجه من السجن وإلى حين خروجه من الدنيا.

وكم أتمنى أن يحظى الكتاب بالقراءة المَتأنية، وأن يكون له الأثر القوي على مُتعاطي الكتابة الروائية لالتقاط النماذج المشجعة في السرد والتخيل وبعث المضمون الإنساني التقدمي الذي مثله بقوة صالح الغزال شكر الله سعيه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»