Atwasat

المغترب

منصور بوشناف الخميس 07 نوفمبر 2024, 03:38 مساء
منصور بوشناف

من‭ ‬التجارب‭ ‬الرائدة‭ ‬في‭ ‬التشكيل‭ ‬الليبي‭ ‬كانت‭ ‬تجربة‭ ‬‮«‬عبدالمنعم‭ ‬بن‭ ‬ناجي‮»‬،‭ ‬ليس‭ ‬ريادة‭ ‬التأسيس‭ ‬بل‭ ‬ريادة‭ ‬التجديد،‭ ‬فعبد‭ ‬المنعم‭ ‬بن‭ ‬ناجي‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬من‭ ‬الرواد‭ ‬الأوائل‭ ‬الذين‭ ‬أسسوا‭ ‬للوحة‭ ‬الليبية‭ ‬أو‭ ‬التشكيل‭ ‬بمفهومه‭ ‬الحديث،‭ ‬أعني‭ ‬اللوحة‭ ‬المفصولة‭ ‬عن‭ ‬زخارف‭ ‬الحرفيين‭ ‬ومنسوجات‭ ‬النساء،‭ ‬اللوحة‭ ‬كعمل‭ ‬فني‭ ‬جمالي،‭ ‬يرسم‭ ‬على‭ ‬سطح‭ ‬جديد‭ ‬هو‭ ‬اللوحة،‭ ‬بعد‭ ‬أن‭ ‬كان‭ ‬ولزمن‭ ‬طويل‭ ‬ومنذ‭ ‬بداياته،‭ ‬ليس‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬زخارف‭ ‬لتزيين‭ ‬السلعة‭ ‬كالفخار‭ ‬أو‭ ‬النسيج‭ ‬أو‭ ‬مشغولات‭ ‬الفضة،‭ ‬كانت‭ ‬تلك‭ ‬اللوحة‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تظهر‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الليبي‭ ‬مع‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإيطالي‭ ‬وتأثر‭ ‬الليبيين‭ ‬بفنهم‭.‬

عبد‭ ‬المنعم‭ ‬بن‭ ‬ناجي‭ ‬ولدراسته‭ ‬بأوروبا‭ ‬وسفره‭ ‬واطلاعه‭ ‬على‭ ‬الفنون‭ ‬التشكيلية‭ ‬التي‭ ‬ترسخت‭ ‬وسادت‭ ‬أوروبا‭ ‬منذ‭ ‬نهاية‭ ‬القرن‭ ‬التاسع‭ ‬عشر‭ ‬وبدايات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين،‭ ‬عاد‭ ‬إلى‭ ‬ليبيا‭ ‬متشبعاً‭ ‬وعاشقاً‭ ‬للتجديد‭ ‬وكانت‭ ‬ليبيا‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الفترة‭ ‬‮«‬منذ‭ ‬بداية‭ ‬ستينيات‭ ‬القرن‭ ‬العشرين‮»‬‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬مطامح‭ ‬وملامح‭ ‬الحداثة‭ ‬تظهر‭ ‬فيها،‭ ‬وبدأ‭ ‬الفن‭ ‬التشكيلي‭ ‬يحتل‭ ‬مكانه‭ ‬في‭ ‬المشهد‭ ‬الثقافي‭ ‬الليبي‭ ‬كعنصر‭ ‬مكون‭ ‬وهام‭ ‬لهذا‭ ‬المشهد،‭ ‬كانت‭ ‬اللوحة‭ ‬الليبية‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تحتل‭ ‬مكانها‭ ‬على‭ ‬جدران‭ ‬المكاتب‭ ‬والمدارس‭ ‬والجامعات‭ ‬وكانت‭ ‬المعارض‭ ‬قد‭ ‬بدأت‭ ‬تقام‭ ‬لهذا‭ ‬الفن‭ ‬ويدرس‭ ‬في‭ ‬المدارس‭ ‬والمعاهد‭.‬

كانت‭ ‬تجارب‭ ‬الرواد‭ ‬الأوائل‭ ‬ترسم‭ ‬ملامح‭ ‬الحياة‭ ‬الليبية،‭ ‬ويحتل‭ ‬الريف‭ ‬والمدينة‭ ‬والعادات‭ ‬والتقاليد‭ ‬وأشكال‭ ‬المعمار‭ ‬الليبي‭ ‬القديم‭ ‬المساحة‭ ‬الأكبر‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬والتجارب،‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬غالبها‭ ‬أعمالًا‭ ‬يظهر‭ ‬فيها‭ ‬الأثر‭ ‬الأوروبي‭ ‬وفن‭ ‬المستشرقين‭ ‬جليًا،‭ ‬لم‭ ‬تكن‭ ‬ذات‭ ‬الفنان‭ ‬الفرد‭ ‬حاضرة‭ ‬بتلك‭ ‬الأعمال،‭ ‬بل‭ ‬كانت‭ ‬في‭ ‬غالبها‭ ‬أعمالًا‭ ‬تصور‭ ‬ثقافة‭ ‬وتقاليد‭ ‬وموروث‭ ‬مجتمعها،‭ ‬كانت‭ ‬ذات‭ ‬الفنان‭ ‬تتخفى‭ ‬خلف‭ ‬المشهد‭.‬

‮«‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬رائد‭ ‬جيل‭ ‬جديد،‭ ‬جيل‭ ‬تكون‭ ‬في‭ ‬المدينة‭ ‬الحديثة‭ ‬بمؤسساتها‭ ‬وثقافتها‭ ‬الحديثة‭ ‬التي‭ ‬بدأت‭ ‬تتشكل،‭ ‬مدينة‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاستعمار‮»‬‭ ‬وأحلام‭ ‬النهضة‭ ‬والحرية،‭ ‬الحرية‭ ‬التي‭ ‬لم‭ ‬تعد‭ ‬تعني‭ ‬طرد‭ ‬المستعمر‭ ‬ونيل‭ ‬الاستقلال؛‭ ‬بل‭ ‬صارت‭ ‬تعني‭ ‬حرية‭ ‬مواطن‭ ‬‮«‬ما‭ ‬بعد‭ ‬الاسستقلال‮»‬‭.‬

‮«‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬كان‭ ‬من‭ ‬أهم‭ ‬فناني‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬رغم‭ ‬قلة‭ ‬أعماله،‭ ‬كان‭ ‬ينظر‭ ‬إلى‭ ‬الأمام‭ ‬متطلعاً‭ ‬لفن‭ ‬حديث‭ ‬يعبر‭ ‬عن‭ ‬طموحات‭ ‬ذلك‭ ‬الجيل‭ ‬في‭ ‬النهضة‭ ‬والتقدم‭ ‬واللحاق‭ ‬بالحداثة؛‭ ‬لذا‭ ‬جاءت‭ ‬أعماله‭ ‬ومنذ‭ ‬بداياته‭ ‬متأثرة‭ ‬بالمدارس‭ ‬الفنية‭ ‬الحديثة‭ ‬وأهمها‭ ‬في‭ ‬تلك‭ ‬المرحلة‭ ‬كانت‭ ‬‮«‬الانطباعية‮»‬‭.‬

تأثُّر‭ ‬‮«‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬بهذا‭ ‬التيار‭ ‬الهام‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬تقليداً‭ ‬ولا‭ ‬ركضاً‭ ‬وراء‭ ‬موضة‭ ‬فنية‭ ‬بل‭ ‬كان،‭ ‬لأن‭ ‬تلك‭ ‬المدرسة‭ ‬كانت‭ ‬تتيح‭ ‬للفنان‭ ‬براح‭ ‬التعبيرعن‭ ‬الذات‭ ‬ورؤاها‭ ‬للحياة‭ ‬والمجتمع‭ ‬وللكون‭ ‬كله،‭ ‬كانت‭ ‬مدرسة‭ ‬وتيار‭ ‬انفكاك‭ ‬الفنان‭ ‬وتحرره‭ ‬من‭ ‬الأطر‭ ‬التي‭ ‬قيدته‭ ‬إلى‭ ‬آفاق‭ ‬أكثر‭ ‬حرية‭ ‬وتفرداً‭.‬

ذلك‭ ‬الانفكاك‭ ‬والخروج‭ ‬من‭ ‬الأطر،‭ ‬لم‭ ‬يكن‭ ‬ممارسة‭ ‬للحرية‭ ‬والاستقلال‭ ‬والفردية‭ ‬فقط؛‭ ‬بل‭ ‬كان‭ ‬خطوة‭ ‬الفنان‭ ‬الأولى‭ ‬في‭ ‬اغتراب‭ ‬الذات‭ ‬وغربتها‭ ‬عن‭ ‬الجماعة‭ ‬والمجتمع،‭ ‬والبحث‭ ‬عن‭ ‬أطر‭ ‬جديدة‭ ‬وفضاءات‭ ‬أكثر‭ ‬براحاً‭ ‬تتيح‭ ‬للفنان‭ ‬ممارسة‭ ‬عزلته‭ ‬وفرديته‭.‬

‮«‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬وفي‭ ‬مرحلة‭ ‬الطموحات‭ ‬الاجتماعية‭ ‬الكبرى‭ ‬في‭ ‬التعليم‭ ‬والصناعة‭ ‬والزراعة‭ ‬وحتى‭ ‬الفنون‭ ‬ومعارك‭ ‬التحرير‭ ‬والنهضة،‭ ‬زمن‭ ‬نكران‭ ‬الفرد‭ ‬لذاته‭ ‬من‭ ‬أجل‭ ‬أهداف‭ ‬الأمة،‭ ‬كان‭ ‬يرسم‭ ‬معبراً‭ ‬عن‭ ‬‮«‬مركزية‭ ‬الإنسان‮»‬‭ ‬وهمه‭ ‬الوجودي‭ ‬كأهم‭ ‬عوامل‭ ‬تحقيق‭ ‬النهضة‭ ‬والحرية‭ ‬والاستقلال‭ ‬للإنسان‭ ‬أولاً‭ ‬ومن‭ ‬ثم‭ ‬للأمة‭.‬

‮«‬عبد‭ ‬المنعم‭ ‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬وعبر‭ ‬لوحاته‭ ‬القليلة،‭ ‬قدم‭ ‬لنا‭ ‬اغتراب‭ ‬الإنسان‭ ‬وعلاقته‭ ‬بالمجتمع‭ ‬وبالآخر‭ ‬تحديداً،‭ ‬حتى‭ ‬تبدو‭ ‬تلك‭ ‬الأعمال‭ ‬تعبيراً‭ ‬وتصويراً‭ ‬للانكفاء‭ ‬على‭ ‬الذات‭ ‬واغتراب‭ ‬الفنان‭ ‬عن‭ ‬محيطه،‭ ‬ولا‭ ‬نرى‭ ‬انفتاح‭ ‬تلك‭ ‬الذات‭ ‬إلا‭ ‬على‭ ‬الطبيعة‭ ‬في‭ ‬بعض‭ ‬اللوحات،‭ ‬حيث‭ ‬تظهر‭ ‬لنا‭ ‬الطبيعة‭ ‬بألوانه‭ ‬الانطباعية‭ ‬مانحة‭ ‬إيانا‭ ‬أنغام‭ ‬شجن‭ ‬شفيف‭.‬

تجربة‭ ‬‮«‬بن‭ ‬ناجي‮»‬‭ ‬تمثل‭ ‬التماعة‭ ‬الذات،‭ ‬وروح‭ ‬الفنان‭ ‬الفرد‭ ‬المختلف‭ ‬وتعبيرها‭ ‬عن‭ ‬وجودها‭ ‬واغترابها‭ ‬ورفضها‭ ‬للواقع

وتطلعها‭ ‬لآفاق‭ ‬جديدة‭ ‬بألوان‭ ‬وتكوينات‭ ‬جديدة‭ ‬ورائدة‭ ‬في‭ ‬التشكيل‭ ‬الليبي‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»