تربينا ونشأنا منذ الطفولة على أن قضية فلسطين قضية عادلة، وكنا نرى أن من يؤازرنا ويقف معنا في تلك القضية، هو صديقنا وحليفنا الذي يفترض أن نكن له كل التقدير والاحترام.. وكان ما يسمي بالمعسكر الشرقي «الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية» إضافة إلى كوبا والصين أصدقاء لنا ورغم أنهم يؤمنون بالماركسية وفهمنا لها في ذلك الوقت يساوي الإلحاد، رغم ذلك كنا لا نري حرجًا في صداقتهم، فـ«عدو عدوي صديقي» كما يقال.. وفي نفس السياق كنا نقدر موقف نهرو والهند رغم علمنا بأن ديانتهم «الهندوسية».. كنا نجل ونحترم كل المناضلين في فلسطين دون أن نبحث في خلفياتهم العقائدية.
وكنا نعتبر رجال المقاومة الفلسطينية أبطالًا جديرين بالتقدير والاحترام والمؤازرة لأنهم يكافحون لتحرير وطنهم.. دون أن نفرق بين عرفات وحواتمة وحبش إلى آخر القائمة فالهدف واحد والطرق لتحقيقه مختلفة.
كنا نسمع ونتابع أيضًا نضال أهل الجزائر ونشهد حملات التبرع التي تجرى بكل حماس لدعم حركة تحرير الجزائر من الاستعمار الفرنسي، كنا نحمل كل الاحترام لكفاح الشعب الجزائريّ ضدّ الفرنسيّين، «جبهة التحرير الجزائريّة»، ومن قادتها ومناضليها البارزين: «أحمد بن بلة» وَ«الهواري بومدين» وَ«محمّد بو ضياف» وَ«جميلة بوحيرد»، أيقونة المرأة المناضلة، كنا كذلك نسمع بنضال جيفارا ولومومبا ونتعاطف معهم ولم نفكر يومًا في انتمائهم العقائدي.
هكذا كان الحال قبل أن تجري مياه كثيرة في وادي الأحداث وتتغير مفاهيم وتستجد معطيات ومؤثرات كثيرة في جغرافيتنا العربية أغلبها خسائر ونكسات وخيبات أمل، حتى وصلنا إلى شبه قطيعة شعورية تجاه قضية فلسطين وغيرها من القضايا والأحلام الكبيرة.. مضت الأيام حتى وصلنا إلى حال يخرج فيه البعض من باب التعقل والحكمة لأجل تبرير التقاعس عن نصرة المظلومين؛ بل ظهرت طائفة منهم يستدعون من التاريخ آفة الفتنة الكبرى لأجل تبرير وقوفهم متفرجين على حرب الإبادة الجماعية، ليعم الخذلان معظم جغرافيتنا البائسة؛ بل وصل الأمر أن تنهال عبارات النقد اللاذع والسخرية والشماتة للمقاوم عند محاولته التصدي للاحتلال.
لقد تناسى البعض أن الفلسطينيين قبلوا بجميع الحلول السلمية، وتنازلوا عن جزء كبير من أرضهم وسيادتهم، وفي كل عهد يستمر حصارهم وقتلهم وتشريدهم وعدم التزام عدوهم بما اتفقوا عليه.. حاولوا جعل قضيتهم حية.. استخدموا كل ما هو متاح أمامهم من التظاهر إلى العصيان، ومن على المنابر الأممية دون أي استجابة لمطالبهم العائلية.. فانتقلوا إلى الحجارة وإلى السكين والدهس إلى آخر سبل المقاومة.. وعندما بدا أمام أعينهم تخلي محيطهم العربي عنهم وبدأ مسلسل التطبيع وتصفية قضيتهم لم يجدوا سبيلًا أمامهم لجعل قضيتهم حية باقية.. إلا محاولة أخيرة منهم لإيذاء العدو.
يأخذ الحماس بعضنا إلى مباركة نضالهم ومقاومتهم مع وضوح فارق القوة بينهم وبين عدوهم، ويلومهم البعض الآخر تحت مبررات عديدة منها الحكمة والتعقل، ولكن لا أظن أن هناك من يملك الحق في تقرير مصير إنسان أو فرض ما يجب عليه أن يفعل وقد تساوت لديه الحياة والموت.
المقاوم للاحتلال إنسان له ما له وعليه ما عليه.. في بعض المحطات التاريخية إيجابياته أكبر من سلبياته والعكس يحدث في محطات أخرى.. حاول أن يقاوم.. نجح أحيانًا فيما فشلت فيه دول وممالك.. وحين تأتي ساعة رحيله عن هذه الدنيا، يرحل راضيًا صادقًا مخلصًا لما يؤمن به.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات