.. والمنفى في الوطن أشد وطأة وأقسى إيلاماً. يزول وجود المرء عبر ذلك ويصير كائناً آخر معزولاً عما يحيط به. يختفي الوجود. ويبرز العدم. حين يتحول الوطن الى منفى أسود يغدو الأمر كله سواداً أكثر سوءاً من سواه. يختفي الوجود رغم الحياة ورغم التنفس. المنفى رحيل مؤقت تفعمه المرارة واليأس. المنفى جدران صلبة وصلدة داخل الوطن على وجه الخصوص. حين يكون الوطن منفى ذلك أصعب أنواع المنافي في الوجود.
تلك الأصياف الحارة بدأ معها تحديد إقامة من الملك إدريس لمجموعات من أفراد أسرته رداً على الاغتيال المفاجئ لناظر خاصته. كان الأمر صعباً برمته على الملك.. على نفسيته وأعماقه وفي الوقت ذاته على الآخرين. لكنها السياسة التي تفرق في أحيان عديدة أكثر مما تؤلف أو تجمع. السياسة في الصيف أو الشتاء أو في كل الفصول واللحظات والأعوام لها حساباتها. السياسة لا تحتمل عاطفة أو مسايرة أو مجاملة. السياسة لها بعدها الرابع أو الخامس أو العاشر أو ما شئت من الأرقام.. شأن بعيد عن كل عواطف القلوب والخواطر.
صار أفراد الأسرة في دائرة النفي. لجأ الملك إلى هذا الإجراء واعتبره الكثيرون غير دستوري.. وربما مرارة كانت تخترم صدره. على المستوى الإنساني والعائلي لم يكن يود ذلك. لم يكن يرغب في الاتجاه إلى هذا الذي حدث بعد الاغتيال. العائلة في وجوده يومها تبدو متماسكة. هو كبيرها ورئيسها قبل أن يكون ملكاً ومسؤولاً على الدولة المترامية. ظل يتمتع باحترامها وتقديرها. كان من جانب آخر لشباب العائلة رأي ثانٍ حسب فهمه وما وصل إليه وأدركه من إشارات تومض من فعل الاغتيال الذي هز الواقع.
أيامها قبل الاغتيال كانت العائلة بكبارها وصغارها تلتقيه وتجتمع لديه. يلم أطرافها. ويبارك تلك اللقاءات المتواصلة رغم هموم ومعاناة المسؤولية وإدارة الشؤون. كانت العائلة بتقاربها متنفساً إنسانياً يحوي السكينة وصلة الرحم والأنس. ألف منها نادياً رسمياً نادي إدريس الأول. اتخذ الفويهات في أحد منازل العائلة المتواضعة مقراً لنشاطه الاجتماعي الصرف. كان يقوم على نشاط اجتماعي وعائلي. لم تكن السياسة تدور في زواياه. السياسة بعيدا هناك ولا دخل للعائلة بها. لم يحكم بواسطتها ولم يستغلها في أي ظرف من الظروف. كان ثمة تقاليد تاريخية وتربوية تشكلت ونمت منذ ظهور الطريقة السنوسية قوامها احترام وتقدير الكبير وتوقيره على الدوام. كان ذلك منهجاً للعائلة معه ومع الجميع وعليه انتظم عقد النادي.
كان للنادي نظام ولوائح وضوابط واشتراكات. وظلت العائلة تجتمع. وظل الملك مظلة واسعة تجتمع وتلتقي تحتها كل العائلة دون خلاف. تبحث أمورها وتتابع أخبارها. وكان حريصاً على حضور مناسباتها الخاصة وعقود الزواج فيما بينها تتم بعلمه حتى تسميات الأولاد والبنات منها تنجز بعلمه وأحياناً باقتراحه. كانت العائلة تؤلف نسيجاً واحداً تألف على شخص إدريس السنوسي إنساناً وراعياً للعائلة وكبيرها أكثر من كونه ملكاً. والعائلة لم تأخذ مظهر القبيلة أو التعصب. كانت تختلف عن الوضع الاجتماعي المعروف. وثمة فصل دائم هنا بين العائلة وأمور الدولة وكما سبق ذكره لم يشأ الملك أن يقحمها في دهاليز السياسة. لم يفكر في ذلك ولم يقترحه عليه أحد. لم يختر منها وزيراً أو رئيساً للحكومة أو للبرلمان. منع أن يمثل أفرادها في البرلمان أو المجالس التشريعية. واصلوا أعمالهم الخاصة وفقاً للقوانين السائدة. قضاياهم الخاصة كانت تنظر بكيفية معينة من خلال مجلس يشرف عليه. ثمة مساعدات بسيطة تصرف من الديوان عبر الوقف السنوسي. لعل البعض من أصحاب المهن الخاصة شذ عن القاعدة ولكنه في العموم لم يكن قياساً أو استثناء. فالمجتمع أيضاً يحفل بالأمثلة المختلفة ويزدحم بها طوال النهار. كان للملك حساباته وتقديراته. لا يبغي للعائلة في تفكيره السياسي والاجتماعي أن تتوه في دروب السياسة ومزالقها ومآلاتها. ولم يشأ على سبيل المثال أن يجعل كل فرد من الأسرة أميراً يحكم منطقة أو مدينة على النحو الذي يجري في ممالك أو إمارات أخرى. تجاوز ذلك تماماً وفي مرحلة لاحقة ذهب البعض من المحللين والمتابعين حتى من الأجانب قائلا بأنه لو فعل ذلك لأحكم السيطرة ولفشل التغيير الذي وقع في سبتمبر.
ومع ذلك حصل الصدام المحزن. شكل مأساة إنسانية. دقت الأجراس لبدايات التنافر والتباعد غير المتوقع أو لعله عند البعض كان لا يطفو ولا يظهر ويظل يتوارى بعيداً خلف الآكام وتحت وميض الجمر وسط الحطب. وفي كل الأحوال كان الملك يضبط العائلة ويحدد لها التزام الحدود والخطوط وعدم تجاوزها. فالمتربصون كثر والتحركات التي قد تطرأ بمرور الوقت تشجع من أطراف بعيدة وقريبة ويسرُّها أن يحصل التململ والارتباك. كما ظل التقدير للعائلة على المستوى الاجتماعي والديني يسود جميع الفئات في البيئة المحيطة وحتى في ديار الهجرة كانت العائلة في هذا الوضع وكان الملك يومها أميراً يحظى بهذا الجانب منهم ومن الآخرين. الخلافات السياسية وإن كان ثمة طموح لدى البعض من الأسرة لم تبدو واضحة المعالم. كان الأمير في هذه الناحية سياسيا يتميز بالدهاء ويعرف كيف يكون التصرف والتعامل مع النوايا والاتجاهات.
حادث الاغتيال لم يتوقعه أحد بهذا الشكل. لقد وقع في عز النهار وفي وسط المدينة.. بنغازي وأمام مقر رئاسة الحكومة. وعلى بعد خطوات من قصر المنار الذي قدم منه الناظر للقاء رئيس الحكومة. شاهد الحادث الكثيرون. ممن أطلوا وتبينوا الأمر من شرفات المبنى ونوافذه أو من الذين كانوا يمرون في الشوارع المحاذية أو من كانوا قريباً في المحلات والأبنية المجاورة أيضاً للرئاسة. حادث في الظهيرة. وكانت المدارس قد شرعت في إنهاء دوامها وأخذ تلاميذها الصغار في العودة إلى بيوتهم.. انتهى اليوم الدراسي للخامس من أكتوبر. رجع التلامذة أولادا وبنات من بينهم أصغر كريمات ناظر الخاصة. ظلت تسير في الشارع وترى الزحام وتسمع إلى الضجيج ولم تدرك من الأمر شيئا سوى عند وصولها إلى البيت الذي كان في شقة تقع في ميدان عمر طوسون (الشجرة لاحقا) عمارة يملكها الوالد القتيل على بعد خطوات من مكان الاغتيال عند رئاسة الحكومة. عاشت بنغازي لحظات القلق والترقب. لحظات قاربت عاصفة أو زلزالا لم يكن يتصوره أحد وعجزت الألسنة عن التعبير والتحليل. هل كان ذلك خطأً أم صواباً. شيء في الداخل أو أمر نسج وراء الحدود. هل ثمة من يختفي وراء اللوحة ولم يظهر بعد؟
والحكايا شرحها يطول وتغمره التفاصيل من هنا وهناك. ثم يغدو الوطن منفى للعائلة. الملك يتصرف باعتباره كبيراً للعائلة ثم ملكاً في المقام الأول. تدخل السياسة على التفاصيل وتغطيها بألوان وظلال قاتمة يختفي فيها البياض. الحكايا تنهض في أفق شموس بنغازي. بعد إعدام الشريف محيي الدين. يجمع الملك المسؤولين في حالة غضب. كان يفكر في نفي العائلة وإخراجها من البلاد رداً على ما حدث. حسين مازق والي برقة يرفض ويشير إليه بأن ذلك مخالف للدستور بالمرة. يتراجع الملك ويخطر الخاطر الآخر له بالإبعاد والنفي في أماكن متفرقة من ليبيا. والحكايا تمتد. يجري الإبعاد على دفعتين.. جانب إنساني يستدعي الحزن والشفقة. يبدو فيه الملك من جهة وتبدو فيه عائلته من جهة أخرى. والحكايا أيضا يرويها جَلسة الملك المسؤولون وما دار في كواليسها ذات مساء في طبرق. الشرخ في الجانب الإنساني يقع والرسائل كما مر ستكشف عن جوانب عديدة من المعاناة وآلام الحزن الكبير. وقع ما ليس منه بد. الفأس في الرأس. الحكايا والرسائل والحزن يا أيها الصيف والتاريخ. قصص في الأفق المتوارى خلف حوائط الهموم.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات