يقسم عالم الاجتماع العراقي علي الوردي الشخصية العراقية إلى شخصيتين فقط، في كتابه «شخصية الفرد العراقي» الصادر في الخمسينيات، وهما الحضري والبدوي، ولكن لو عاد الوردي اليوم لغير رأيه عندما يكتشف أن هناك شخصيات أكثر في العراق، ولكنها لم تظهر على المسرح في زمنه.
كتب الوردي عن مجتمع بغداد والبصرة والموصل والمجتمع الريفي والبدوي، قبل أن يصل التمدن إلى كل أنحاء العراق بفضل الريع النفطي، وكتب كتابه في العهد الملكي قبل أن تستيقظ الطوائف من سباتها التاريخي، عندما كان يعيش الشيعي والسني والعربي والكردي والأشوري والكلداني والإيزيدي والصابئي في وحدة وطنية مخادعة، ولكن شخصية العراقي اليوم متعددة ومتعادية ومنفصلة ولا تجمعها إلا المنطقة الخضراء في بغداد، واختزالها في حضري وبدوي هو اختزال مخل بالحقيقة، وتبدو الشخصية المصرية شخصية واحدة، على الرغم من التقسيم التقليدي بين فلاحين وصعايدة، ولكن الشخصية المصرية اليوم أكثر تعدداً، ففي مراحل تاريخية وبسبب الأنظمة الحاكمة المهيمنة بخطابها الأيديولوجي الأحادي، يتم إهمال مجتمعات الأطراف عمداً أو سهواً، ولكن هذه المجتمعات أو الشخصيات سرعان ما تعبر عن وجودها، بخروجها الصاخب على خشبة المسرح، مثل النوبة في جنوب مصر والبدو الليبيين في الصحراء الغربية وبدو سيناء، فمثلا كان بدو ليبيا وبدو سينا ممنوعين من العمل في الجيش المصري، وخلال الستينيات سمح للبدو الليبيين ولا يزال المنع سارياً على بدو سيناء.
أما النوبة فلم نشاهدهم إلا في الأفلام المصرية كبوابين وخدم يتحدثون لهجة مضحكة، قبل أن يفرضوا أنفسهم بالفن والغناء على المركز، وعلى الرغم من التشابه العجيب بين شخصية المسلم والمسيحي في مصر، إلا أن ما يسمى بالصحوة الإسلامية والإرهاب الذي استهدف المسيحيين باعد بين الاثنين، ومع ذلك داخل الشخصية الواحدة هناك تعدد ينعكس في اللهجة والسلوك، مثل شخصية البورسعيدي والإسكندراني والقاهري، وهذا أمر طبيعي في جميع أنحاء العالم، فالمدن الصغيرة تضخمت وتحولت إلى مدن مليونية، والإسكندرية التي كانت مدينة كوزموبولتانية تحولت إلى مدينة صعيدية وأصولية.
الشخصية ليست ثابتة ولكن متغيرة، فإذا عاد شخص من أبناء المدينة القديمة في طرابلس توفي في الخمسينيات إلى الحياة اليوم لشعر بالغربة، وهذا ما حدث لي العام 2012 بعد أن عدت إلى ليبيا شعرت بغربة ليس فقط في طرابلس وإنما أيضا في قريتي التي ولدت بها، لأن ما ألفته تغير بالكامل.
ثمة مجتمعات لا يمكن القبض على شخصيتها. هل يمكن الكتابة عن الشخصية السودانية حتى بعد انفصال جنوب السودان؟ أو الكتابة عن الشخصية الموريتانية أو الصومالية أو حتى اليمنية وهي الشخصية الأكثر وضوحاً بين كل هذه الشخصيات.
بعد استقلال السودان تعرفنا على الشخصية السودانية، ولكن في الحقيقة تعرفنا على شخصية واحدة، هي شخصية الشمالي العربي المسلم، ولم تظهر بقية الشخصيات على المسرح، لأن هذه الشخصية التي تشمل قبائل الجعليين والشايقية والدناقلة والنوبة احتكرت السلطة والثروة وحرمت بقية الشخصيات، ثم عرفنا أن هناك أفارقة من القبائل النيلية ليسوا عرباً ولا مسلمين، وأخيراً عرفنا جوانب مخفية من الشخصية السودانية بعد تفجر الصراع في دارفور، ثم قبائل شرق السودان الهدندوة قبل أن نعرف قبائل الهوسا، وبعد انفصال جنوب السودان ها هي تلك الشخصيات تتقاتل بضراوة وبعنف لم نعرفه في الشخصية السودانية التي تعرفنا عليها.
أولاً بسبب غياب مشروع وطني يذيب كل هذه الشخصيات، ويبلور شخصية وطنية واحدة، وفي الوقت نفسه متعددة. حاول الإسلاميون إذابة بقية الشخصيات في مشروعهم الأممي فانهار كل شيء، فالهوية اختيار حر وعملية شاقة ومعقدة وتستغرق زمناً طويلاً من التنمية والمساواة والتعليم والمشاركة الإيجابية، وفي اليمن يحدث نفس الشيء، أما في سورية ولبنان فقد اكتشفنا الفوارق الكبيرة بين الطوائف على الرغم من التشابه في الشخصية النمطية التي تعكسها اللهجة والسلوك والملامح والمطبخ.
في ليبيا فرضت طرابلس لهجتها على غرب البلاد، على الرغم من ترويج نظام القذافي للهجة المنطقة الوسطى، كما فرضت مطبخها على الجميع على الرغم من أنها كانت منتهكة، واليوم ترتدي النساء في الأعراس البذلة الطرابلسية وتخلين عن ملابسهن التقليدية، فالمدينة حتى في أسوأ ظروفها هي البوتقة التي يذوب فيها الجميع، وهذا يفسر ثبات الشخصية المصرية والتونسية مقارنة بغيرهما، لوجود مدن كبيرة قادرة على الإذابة حتى وصفت مصر بأنها معدة تهضم كل شيء، بينما كانت المدن صغيرة في ليبيا عندما كانت نسبة البدو الرحل مرتفعة، واليوم يعيش في طرابلس ثلث سكان البلاد، وتضخمت بنغازي وتحولت مصراتة إلى المدينة الثالثة بدلا من سبها.
وعلى الرغم من تشابه الشخصية الخليجية في اللباس واللهجة إلا أن الفوارق بينها كبيرة، وذلك بسبب نجاح وتسارع التنمية والتحول إلى المدن الكبيرة، فمدينة الرياض اليوم هي أكبر مدينة خليجية على الرغم من أنها كانت قرية في محيط بدوي شديد التعصب، أما دبي فأصبحت مدينة عالمية تسمع فيها اللغة الإنجليزية أكثر من العربية، وتشاهد وجوهاً قادمة من كل أنحاء العالم، ومع ذلك فعندما يلعب فريق لكرة القدم من دبي مباراة مع فريق من أبوظبي يظهر الصراع بين من يعتقدون أنهم من المدينة ومن يوصفون بأنهم بدو، وبالمثل يحدث بين الرياض وجدة، وصنعاء وعدن ودمشق وحلب، ولا تزال المغرب المستقرة والموحدة مقسومة بين بلاد المخزن وبلاد السيبة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات