Atwasat

المسؤولية عن أعمال الإبادة الجماعية؟

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 22 سبتمبر 2024, 06:52 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

ينحو‭ ‬كثيرون،‭ ‬عن‭ ‬حسن‭ ‬نية‭ ‬أو‭ ‬خفايا‭ ‬طوية،‭ ‬على‭ ‬المقاومة‭ ‬الفلسطينية‭ ‬ويحمِّلونها‭ ‬المسؤولية‭ ‬على‭ ‬ما‭ ‬تسببت‭ ‬به‭ ‬عملية‭ ‬‮«‬طوفان‭ ‬الأقصى‮»‬‭ ‬من‭ ‬مآسٍ‭ ‬بالغة‭ ‬وأعمال‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬اقترفتها‭ ‬الدولة‭ ‬الصهيونية‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ ‬الفلسطينيين‭ ‬في‭ ‬غزة‭ ‬من‭ ‬النساء‭ ‬والأطفال‭ ‬والمرضى‭ ‬والعجزة‭ ‬والمسنين‭.‬

وإذا‭ ‬ما‭ ‬اقتصرنا‭ ‬في‭ ‬توجيه‭ ‬خطابنا‭ ‬على‭ ‬ذوي‭ ‬النوايا‭ ‬الحسنة،‭ ‬فإننا‭ ‬نقول‭ ‬أنه‭ ‬في‭ ‬حروب‭ ‬التحرير‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬الاستعماري‭ ‬كافة‭ ‬تكون‭ ‬الجماهير‭ ‬المدنية‭ ‬هي‭ ‬التي‭ ‬تتحمل‭ ‬العبء‭ ‬الأكبر‭ ‬والأقسى‭ ‬من‭ ‬الأضرار‭.‬

ذلك‭ ‬السياسة‭ ‬التي‭ ‬ينتهجها‭ ‬الاستعمار‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالات‭ ‬هي‭ ‬تأليب‭ ‬الجماهير‭ ‬ضد‭ ‬حركات‭ ‬المقاومة‭ ‬لحرمانها‭ ‬من‭ ‬حاضنة‭ ‬اجتماعية‭ ‬داعمة‭.‬

حدثت‭ ‬أعمال‭ ‬تعذيب‭ ‬ومذابح‭ ‬وأعمال‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬في‭ ‬الكونغو‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬قوات‭ ‬الاستعمار‭ ‬البلجيكي‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1885‭ ‬و1908‭ ‬راح‭ ‬ضحيتها‭ ‬أكثر‭ ‬من‭ ‬عشرة‭ ‬ملايين‭ ‬كونغولي‭. ‬وحدث‭ ‬ذلك‭ ‬في‭ ‬ليبيا‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1929‭ ‬و1934عندما‭ ‬قام‭ ‬الاستعمار‭ ‬الإيطالي‭ ‬الفاشي‭ ‬بإقامة‭ ‬معسكرات‭ ‬اعتقال‭ ‬جماعي‭ ‬الأولى‭ ‬من‭ ‬نوعها‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬المعاصر‭ ‬قضى‭ ‬فيها‭ ‬عشرات‭ ‬الآلاف‭ ‬نحبهم‭ ‬بسبب‭ ‬الجوع‭ ‬والمرض‭ ‬ومجمل‭ ‬الظروف‭ ‬السيئة،‭ ‬كان‭ ‬الهدف‭ ‬في‭ ‬هذه‭ ‬الحالة‭ ‬إفراغ‭ ‬المنطقة‭ ‬الشرقية‭ ‬من‭ ‬ليبيا‭ ‬من‭ ‬السكان‭ ‬للاستفراد‭ ‬بقوات‭ ‬حركة‭ ‬الجهاد‭ ‬الليبية‭. ‬واقترف‭ ‬الاستعمار‭ ‬الفرنسي‭ ‬في‭ ‬الجزائر‭ ‬شناعات‭ ‬ضد‭ ‬المدنيين‭ ‬المسالمين،‭ ‬بالذات‭ ‬بعد‭ ‬اندلاع‭ ‬النضال‭ ‬المسلح‭ ‬سنة‭ ‬1954‭ ‬ضد‭ ‬قوات‭ ‬الاحتلال‭ ‬الفرنسي‭ ‬بقيادة‭ ‬جبهة‭ ‬التحرير‭ ‬الوطني‭ ‬الجزائرية‭.‬

وجرى‭ ‬مثل‭ ‬هذا‭ ‬في‭ ‬كوريا‭ ‬الشمالية‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬القوات‭ ‬الأميركية‭ ‬أثناء‭ ‬الحرب‭ ‬الكورية‭ ‬الشهيرة‭ ‬التي‭ ‬دارت‭ ‬بين‭ ‬سنتي‭ ‬1950‭- ‬1953‭ ‬وهزمت‭ ‬فيها‭ ‬أميركا‭. ‬كما‭ ‬جرى‭ ‬في‭ ‬فيتنام‭ ‬الجنوبية‭ ‬بسبب‭ ‬تعاظم‭ ‬قوة‭ ‬ثوار‭ ‬الفيتكونغ‭. ‬وتعرض‭ ‬المدنيون‭ ‬اللبنانيون‭ ‬إلى‭ ‬متاعب‭ ‬وأضرار‭ ‬جسيمة‭ ‬أثناء‭ ‬اجتياح‭ ‬قوات‭ ‬العدوان‭ ‬الصهيوني‭ ‬للبنان‭ ‬سنة‭ ‬1982‭ ‬وفي‭ ‬سنوات‭ ‬لاحقة،‭ ‬بالذات‭ ‬في‭ ‬الحرب‭ ‬التي‭ ‬جرت‭ ‬سنة‭ ‬2006‭ ‬بين‭ ‬قوات‭ ‬حزب‭ ‬الله‭ ‬والجيش‭ ‬الصهيوني‭ ‬وأسفرت‭ ‬عن‭ ‬هزيمة‭ ‬الجيش‭ ‬الصهيوني‭ ‬وانسحابه‭ ‬من‭ ‬الجنوب‭ ‬اللبناني‭ ‬المحتل‭.‬

وجرت‭ ‬وما‭ ‬زالت‭ ‬تجري،‭ ‬حتى‭ ‬هذه‭ ‬الثواني،‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الميليشيات‭ ‬الصهيونية‭ ‬ثم‭ ‬جيش‭ ‬العدوان‭ ‬الصهيوني‭ ‬في‭ ‬فلسطين‭ ‬المحتلة‭ ‬منذ‭ ‬ثلاثينيات‭ ‬القرن‭ ‬الماضي،‭ ‬أعمال‭ ‬إبادة‭ ‬جماعية‭ ‬غير‭ ‬مسبوقة‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬الإنساني‭.‬

وإذن،‭ ‬لا‭ ‬يمكن‭ ‬القول‭ ‬بأن‭ ‬حركات‭ ‬التحرير‭ ‬والثورات‭ ‬ضد‭ ‬الاحتلال‭ ‬ينبغي‭ ‬أن‭ ‬تنتظر‭ ‬إلى‭ ‬أن‭ ‬تضمن‭ ‬عدم‭ ‬تعرض‭ ‬مواطنيها‭ ‬المدنيين‭ ‬لردات‭ ‬فعل‭ ‬انتقامية،‭ ‬فهذا‭ ‬لا‭ ‬يتحقق‭ ‬أبدًا‭. ‬دائمًا،‭ ‬وحتى‭ ‬في‭ ‬التاريخ‭ ‬القديم،‭ ‬كانت‭ ‬المدن‭ ‬تستباح‭ ‬من‭ ‬قبل‭ ‬الغازي‭ ‬أو‭ ‬المحتل‭ ‬ويتعرض‭ ‬فيها‭ ‬الناس‭ ‬العاديون‭ ‬إلى‭ ‬شناعات‭ ‬بالغة‭.‬



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»