Atwasat

صلاحية ابن خلدون؟

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 25 أغسطس 2024, 04:53 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

كتب منصور بوشناف مقالاً بعنوان «عصبيات»* تناول فيه نظرية ابن خلدون في نشوء الدول وسيرورتها من التكون إلى الانحلال حيث يقول «العصبية هي أساس الملك وتكوين الدول والعمران، وهي أيضاً عامل تفكك الدول وانهيار العمران والحكم، وكل ذلك حسب نظرية ابن خلدون الرائدة في حقول فلسفة التاريخ وعلم الاجتماع». ويضيف «العصبية تشكل، حسب ابن خلدون، العامل التاريخي المهم والأول في تشكل الهويات الجامعة ومن ثم تشكل «الكيانات» لتتمكن إثر ذلك من تكوين التحالفات وبناء مراكز الاستقرار والتحضر «المدن» وتحويل البدو «عنصر العصبية الأول» إلى الاستقرار وتكوين الدول».

وناقش العوكلي أطروحة ابن خلدون، اعتماداً على بوشناف، والإشكالات التي تثيرها هذه الأطروحة في مقال بعنوان «عصبيات ما بعد ابن خلدون»**.

وهذه، دون شك، ظاهرة ثقافية صحية تثري الحركة الثقافية. إذ من تعدد الأصوات نمضي إلى تفاعل هذه الأصوات مع بعضها لإخصاب الحركة الثقافية وتطويرها. فما من شك في أن النقاشات الفكرية المسؤولة والرصينة والجادة تمثل أرضاً خصبة لنمو الثقافة وتطورها.

ذكر «العصبية» يحيل إلى «القبيلة» وهذه تحيل إلى «البداوة»، وعليه فإن «البدو» في نظرية ابن خلدون هم بناة الدول وبالتالي بناة الحضارة.

وينظر العوكلي إلى ذلك من زاوية أخرى. إذ إن عملية تمحور تشكل الدول حول موضوعة «الهوية»، وهي هنا هوية عصبية قبلية «عملية تحمل ما يمكن أن أسميه فيروسات تحلُّلِها وأزماتها في داخلها، وبقدر ما تشكل الكيان ستعمل مع الوقت على اضمحلاله أو انهياره». أي أنها محكوم عليها، سلفاً، بالإخفاق والاندثار. فنظرية ابن خلدون في الحضارة تنص على التعاقب الدوري المغلق للحضارات.

وينقل العوكلي النقاش من المجال النظري التاريخي إلى اختبار مصداقيته على الواقع الحالي من حيث ربط تشكل الدول لدى ابن خلدون بالعصبية القبلية المتبنية لعقيدة دينية، فيتساءل «عن العصبيات المتشددة التي تتجلى الآن بقوة في دول علمانية ديمقراطية متحضرة تجاوزت مراحل البداوة بقرون طويلة، وولِدت فيها أجيال لم تعرف سوى قيم الحداثة والحضارة، وشكلت ثقافة التعايش والتجاور جزءاً من عقيدتها الراسخة، وأقصد صعود العصبيات اليمينية ذات المنشأ العرقي في قارة مثل أوروبا وفي أمة مهاجرين مثل الولايات المتحدة، إضافة إلى دخول الأيديولوجيات (بكل أنواعها) دينية أو لا دينية على هذا الخط». ويبدو لي هنا أنه من الضروري التفريق بين العصبية كمصطلح سكه ابن خلدون للدلالة على العصبية القبلية تحديداً، وليس العرقية، وبين التعصب كظاهرة عامة صاحبت البشرية منذ تكون القبائل والشعوب. فالأمثلة التي استند إليها العوكلي هي أمثلة تقع تحت مقولة «التعصب» وليس العصبية.

ويثير العوكلي سؤالاً، أو تساؤلاً، مهماً هو «هل ما زالت نظرية ابن خلدون التي طرحها فترة تحلل وانهيار الإمبراطورية الإسلامية، وتحت ضغوط عاطفية هائلة، صالحةً لتطبيقها على تحولات العصبية والهوية بعدما تغيرت طبائع العمران البشري؟». وأنا أرى أن أهمية ابن خلدون تكمن في موقعه في تاريخ الفكر الاجتماعي وفلسفة التاريخ، ولا توجد، في هذا المجال، نظرية صالحة لكل زمان ومكان.

* https://alwasat.ly/news/opinions/445425?author=1
** https://alwasat.ly/news/opinions/446650?author=1



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»