وكذلك يتجدد تواصلي مع جهود الباحث الأكاديمي المثابر الدكتور المختار كرفاع عندما شرّفني - رعاه الله - بنسخة من كتابه القيّم عن مجلة «ليبيا المصورة»، المجلة العربية الشهيرة التي أنشأتها السلطات الإيطالية المحتلة لليبيا في ثلاثينيات القرن الماضي تحت إدارة ومسؤولية أحد مشاهير مثقفي تلك الأيام عمر فخر المحيشي، وفي الفترة التي تولى بها حكم ليبيا المارشال الفاشي بالبو، المعروف برفع شعار المشروع التصالحي بين الإيطاليين والليبيين، واعتبار الأخيرين مواطنين إيطاليين.
ذلك التوجه الذي أقرّه وتحمّسَ له عدد غير قليل من الليبيين، ووقف دونه عدد آخر، وسارع لإدانته نوع ثالث من الناس عقب اندحار جيوش إيطاليا ورموزها، وحلول مرحلة تنصّلَ فيها الكثيرون من كل ما أسرفوا في مدحه وتزيين صورته مما لا يتسع له المقام، الذي نريد له أن يكون مبنيًا على تقدير كل من يحاول أن يشعل شمعة بدل الاكتفاء بلعن الظلام. ومما لا شك فيه أننا عندما ننظر إلى هذا العمل في ظروفه التاريخية، ليس فقط بالنسبة للواقع الليبي، وإنما للواقع العالمي، سنضمن لنظرتنا الترفّع عن رذيلة بخس الناس أشياءهم، ومساءلتهم بزمن غير زمنهم، قصد الإضرار بهم بدعوى الموضوعية، وغيرها من الكلمات التي تبطن من السوء ما يعجز عنه ألدُّ الأعداء.
ويكفي أن هذه المجلة قد حفظت لنا أقدم آثار القصة القصيرة في ليبيا عندما طرق بابها وهبي البوري، وترك فيها أول مجموعة جديرة بشرف الريادة بكل ما في هذه الكلمة من المعاني. إنها الريادة التي قدّرها الناقد والأستاذ الكبير عبدالقادر القط وهو يحل ببنغازي في ستينيات القرن الماضي، وقابلناه بشطط لا مفر من الاعتراف به اليوم أنه في غير محله.
إنه الموقف الذي لم يخرجني منه سوى المشاركة من موقعي كأمين لرابطة الأدباء والكُتّاب بتسمية المرحوم وهبي شخصية لمهرجان المدينة في بنغازي، والحديث عنه، بما جعله يشرفني برسالة شكر ما زلت أحتفظ بها بين أوراقي. إنها الخطوة التي أمكن تطويرها في ترشيحه، وحصوله على وسام الريادة في تسعينيات القرن الماضي، ليكون البوري إلى أن رحل من الدنيا على رأس من يُكَرَّم، سواء كان للتكريم معنى أو العكس.
والمهم أن المجلة حفظت ما هيأ للأجيال فرصة المراجعة وإمكانية الإنصاف. وكانت هذه المجلة قد حظيت من أستاذ جراحة القلب الشهير والمناضل الصلب الدكتور محمد المفتي بدراسة جريئة في مجلة «الفصول الأربعة»، لسان الأدباء والكُتّاب الليبيين، لم ترق لبعض الذين جمعوا بين عضوية حركة اللجان الثورية وأمانة مؤتمر الشعب العام، فاستُدعِيَ على أثرها الدكتور الجراري، وأُجْرِيَ معه نقاش في الخصوص، تطور إلى حد إحالة الجراري إلى المساءلة القانونية على الرغم من أن المجلة لا تتبع مركز الجهاد، وما ذلك إلا لأن الضيق كان صادرًا عمّا لاحَ في الأفق من توسيع دائرة المشاركة تجاوبًا مع بعض المتغيرات التي كانت تلوح في الأفق، وأراد المحقق مع الجراري أن يقف بطريقها دون أن يدري أن ما ذهب إليه لم يكن إلا لمصلحة ما كان يُبيت لما طال البلاد من زوابع ربيع فبراير 2011.
وذلك بعد أن قُدِّرَ لليبيا مما حلَّ بالعراق، كما سرَّبَ بعض الدبلوماسيين السعوديين، مُشيدين بجهود من نجح في تلك الأيام، فالتحية كل التحية للباحث على جهده، مع تمنيات دوام المثابرة والحرص المستمر على تقحُّم ما يهابه الذين ليس لهم سوى الاكتفاء بما خرجوا به من الجامعات برفيع الألقاب.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات