Atwasat

استنباء

أحمد الفيتوري الثلاثاء 30 يوليو 2024, 09:41 صباحا
أحمد الفيتوري

- من سيكون رفقة الرحلة؟
- لست على علم بالمرة.

قبلها اجتاحه يقين:
أن تأتي الحافلة.

أن تتخذ مدخل البيت محطة.
أن تواجه نافذة الحافلة

باب البيت،
من حيث تطل،

وهو يهم خارجاً،
يراها.

أن يحدث هذا،
هذا ليس حدساً.

1-
ليس لي في المستقبليات، فالتاريخ يهيمن على كل شيء، الماضوية ماضية في غيها، هكذا أمس هو اليوم، ولأن اليوم هو ماضي المستقبل فإن السؤال أين يكون هذا المستقبل؟
هذه خواطر وتأمل مبتئس أكثر منها تحليل متموضع في المشكل الذي هو المستقبل والتاريخ موضوعة الموضوعات. وإن خرجنا عن غينا هذا، فإننا نجد أن الودان وإخوته من الكائنات ذوات الطبيعة الأدنى أسيرة الحاضر لكن راسم لوحات تاسيلي، الإنسان كائن مستقبلي أو هكذا يقال.

الإنسان كائن زماني، الزمن الذي هو أكثر أشكال الوجود خضوعاً للخيال، هذه الخاصية التي خص بها الكائن الأرقي من كائنات طبيعتنا. لكن هذا الزمان ما هو؟ وإن تفحصنا هذا السؤال فسنجد ركاماً هائلاً في الموضوعة، تتلخص في هذه العبارة: غرابة الزمان التي لا ريب فيها.

لكن ذلكم لا يمنع من محاولة استكناه المسألة، من جانب آخر أكثر بساطة أي مسها في تعين الزمان، التاريخ الذي هو «فكرة الطبيعة السردوية للزمان نفسه». ومن هنا فإن «الخطاب التاريخي تمثيل أثير لقدرة الإنسان، على ضخ المعنى في تجربة الزمن، لأن المرجع المباشر لهذا الخطاب هو الأحداث الواقعية لا الأحداث المتخيلة».

من هنا توجب قبل، وضع تحديد ما للفرق بين التاريخ والأدب، أو الكتابة التاريخية والكتابة الأدبية؟ وفي هذا أجد منهج فيلسوف السردية الفرنسي بول ريكور، هو المنهج الذي اختص صاحبه بالمسألة أكثر من غيره. في حين يسلم ريكور بأن التاريخ والأدب يختلفان عن بعضهما باختلاف مراجعهما المباشرة، وهما الأحداث الواقعية والخيالية، فإنه يؤكد بأنهما ما داما ينتجان قصصاً ذات حبكة، فإن مرجعهما الأخير هو التجربة الإنسانية في الزمن، أو (بنى الزمانية).

ويبدو أنه يفرق بين الكتابة السردية والتاريخية في موضوعة الحبكة، فالتاريخ الزمني ليس سرداً أو حكاية، لأنه لا يمتلك ذلك النوع من البنية التي لا تمنحها إلا الحبكة، هنا يكون الاختلاف الحاسم بين تجربة الزمن بوصفه مجرد تسلسل، وتجربة الزمانية التي تكتسي فيها الأحداث مظهر عناصر القصص المعيشة، ذات البداية المتميزة والوسط والنهاية. والخطاب السردي لا يعكس فقط، أو يدون تدويناً سلبياً وحسب، عالماً مصنوعاً سلفاً، ينشئ المادة المعطاة في الإدراك والتأمل ويطوعها، ويخلق منها شيئاً جديداً، تماماً مثلما يطوع الفاعلون الإنسانيون أفعالهم، ويحولونها إلى صيغ متميزة من الحياة التاريخية، خارج العالم الذي يرثونه بوصفه الماضي الذي عاشوه.

إن الكتابة التاريخية والأدبية عند ريكور يقعان معاً تحت طائلة الزمانية، لهذا فالقصص التاريخية والقصص الخيالية متشابهة، ومهما كانت الفروق بين مضامينهما المباشرة ـ وهما الأحداث الواقعية والأحداث المتخيلة ـ يظل مضمونهما الأخير واحداً: ألا وهو بنية الزمن الإنساني.

وفي الأخير فإنه بصرف النظر، عن كون السرد الخيالي نقيضاً مقابلاً للسرد التاريخي، فإنه مكمله وحليفه في المجهود الإنساني الشامل للتأمل في سر الزمانية.

2-
إذا كان الودان لا يرى إلا تحت قدميه فإن إبراهيم الكوني لا يرى إلا أمام قدميه، الكائنات الأدنى لا ذاكرة لها تخزن القات، قات الماضي، لكن الكوني له ذاكرة، غير أن فعل هذه الذاكرة عند الكائن الأعلى مقلوبة، حيث هي مرآة المستقبل رغم أنها حصاد الماضي.

كأن الإنسان كائن اليوتوبيا: [هناك دائماً شيء مفتقد، ثمة ضوء قد انسحب، إن عالماً جرد من الحدس والتوقع يصبح كئيباً بارداً].

في النص الذي استبدأنا به هذه الورقة، يبدو العاشق حاشداً لكله، لاستكناه ما سيحدث ويحدث، فالرغبة في الحياة فكرة مستقبلية، وكأن الحياة فكرة غيبية عند الكائن الأعلى، أو على الأقل فكرة الخيال الذي يتجاوز الحقيقة المحدودة، ليلتقط إمكاناتها الكامنة.

لهذا في نص الاستنباء، العاشق يكمن عدم علمه الإطلاقي في تيقناته، أي استبصاراته المبنية على الرغبة، المعللة بجملة معطيات كامنة في الذاكرة، خلاصتها حزمة احتمالات: معرفة في حدها الأدنى لإمكانية مجيء الحبيبة، الرحلة تكون في حافلة التي لا بد أن فيها نوافذ، النافذة التي تكون قبالة البيت ستكون هدف الحبيبة، التي قد تكون تعرف البيت، الذي أمامه مكاناً لوقوف الحافلة:

وهو يهم خارجاً،
يراها.
أن يحدث هذا،
هذا ليس حدساً.

وبهذا المعنى الحياة مشروع معاش، كامن عند الإنسان في استهدافه الخلود، حتى خلود الروح بقدر ما هي فكرة ميتافيزيقية، هي مسألة لمعالجة حب الإنسان للحياة والرغبة المتأصلة فيها.

أليس الحدس والخيال هما الجانب الأيمن والأيسر للعقل؟ وقد اهتدى دابليو سبيري إلى أن المخ الإنساني له نصفان كرويان، حيث النصف الكروي الأيسر من المخ يهيمن على اللغة، على حين أن الأيمن يختص بالتعرف أو التمييز، وكذلك يتعلق الأيسر بالمنطق واللغة بينما يختص الأيمن بالتذوق كالاستمتاع الفني. ومن الأمور ذات الدلالة أن المخ الأيسر لديه إحساس قوي بالزمان، على حين أن الأيمن لا يملك شيئاً من هذا الإحساس.

وبهذين معاً الخيال والحدس يكون الكائن الأعلى مشرفاً على ما سيكونه، وقد كتب أندريه بريتون في البيان السريالي: إن الانحطاط بالخيال إلى حالة العبودية، هو خيانة لكل معني العدالة المطلقة داخل الذات، الخيال وحده هو ما يقدم لي شيئاً من التلميح بما يمكن أن يكون المستقبل.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»