Atwasat

جعلوا جسدها صفحة بيضاء (7)

محمد عقيلة العمامي الإثنين 17 يونيو 2024, 05:14 مساء
محمد عقيلة العمامي

أبلغ ما قيل في ذم المرأة:
إن النساء شياطين خلقن لنا
فكلنا يتقى شر الشياطين
ولكن هناك شاعر آخر أنصفهن، إذ قال:
إن النساء رياحين خلقن لنا
فكلنا يشتهي شم الرياحين

وهكذا تكون الأنوثة صفحة بيضاء، مادة تستقبل، ليكتب عنها، وتصبح مصدرا لنقل الكلمات وحفظها وتداولها. صار جسدها مصدرا للإلهام، عندما يكتب عنها، أو بمعنى آخر عليها تصبح، مصدرا لنقل الثقافة، ووسيلة لتناقلها وحفظها فهي عنها وكُتبت عليها. صار جسدها حاملا، وناقلا ومنشدا لكل التمثيلات البلاغية واللغوية من دون تدخل أو تحريف.

وقبلت المرأة لغة الرجل وارتضت بها وأحبتها، وأخذت بها، تناقلتها بفخر وتيه وإعجاب، وأخذ القراء يطالعونه ويفككون ألغاز وشفرات ما كتب عن جسدها. وهكذا ما إن يظهر في تجمع عام حتى يأخذ العوام في قراءة ما كتب عنه.

وحرصت الأنثى على أن تقدم جسدها على أكمل وأجمل وجه، ساعدته البلاغة الدلالية ليكون فتنة في مشيته، فكانت آية فتنة في حيوان جميل تلصق بها، ناقة، ظبية، غزالة، وأيضا في أي جماد كالوردة، وفي الروائح، كالعطر والمسك. ومع ذلك أصبح جسد المرأة صفحة بيضاء ينقل بلاغيا، بالكتابة (عنه) الشيء الجميل ونقيضه! وذلك يؤكد ويبرز فحوى جملةـ مثلما قال الأستاذ الغذامي- تكررت كثيرا في حكايات (ألف ليلة وليلة) تقول: «وما خلقت النساء إلا للرجال». ويتأكد ذلك بأمثلة كثيرة تبرز أن تمثيل الجسد المؤنث لا تكتمل صياغته «إلا من خلال إضافته إلى الذكورة» بل لا يضاف إلى نفسه، ولا تضاف الذكورة إليه! ولعل ذلك يتضح بيسر بالغ عندما نقول إن فلانة زوجة فلان، في حين أن فلان لا يُعرف بكونه زوج فلانة!

وليؤكد الباحث بأمثلة مقنعة «أن الجسد المؤنث صار مادة للثقافة تمارس بلاغتها فيه، لتثبت فحولتها الجسدية واللغوية، فجعلت منه صفحة بيضاء قابلة لأن تكتب عليها الثقافة ما تشاء!".

(2)
ثم ينتقل بنا الأستاذ الغذامي، إلى الفقرة الموالية، فيحدثنا عن رأي ابن حزم عن سوء ظنه بالنساء في مؤلفه (طوق الحمامة)، مؤسسا آراءه على خبرته، فيحدد الجنس المؤنث بأنه نوع بشري «محصور القيمة في النكاح ودواعيه، وأنهن متفرغات البال من كل شيء سواه! ولعله من لطف الله عليه أنه لم يعش في هذا العصر، الطافح بنوعيات من الإناث يفندن، باقتدار كبير، آراءه ولا أعتقد أنني في حاجة لسرد بعض الأمثلة! غير أن الأستاذ المؤلف يقول إن ابن حزم يقيس الإناث على أمثلة فردية، وهذا في الواقع ما تقدمه لنا الثقافة في تصويرها للمرأة، واعتبار أي منها نموذجا على النساء كافة.

وهذا في الواقع ما تقوم به الثقافة في تصويرها وتقديم المرأة لنا، مؤسسة رأيها على واحدة أو اثنتين، حتى لو أنها أسست هذا الرأي على حريم كامل لأي من السلاطين، فذلك لا يمثل النساء كافة. والثقافة، في الوقت نفسه، تقدم لنا الرجل على أساس أنه ذات مستقلة، وأن فعلا ذكوريا واحدا لا يمثل الذكور كافة.

ويورد المؤلف أمثلة كثيرة لتأكيد وجهة نظره، ليلخص الفكرة بأن الفعل العاقل واللغوي أيضا حكر على الذكور. أما الفعل الأنثوي، حتى وإن كان طبيعيا، فيستشهد به على أنه خبث وكيد نسوي. وتمنح الثقافة الجسد المؤنث حقا طبيعيا واحدا، محصورا في إرسال إشارات الإثارة الشبقية فقط، أما حقه الطبيعي في إرسال إشارات عاقلة فقد حرمته منه، بل حتى العاقلة فسرته بعيدا عن غايته!