Atwasat

موت الأيديولوجيا

خالد العيساوي الأحد 09 يونيو 2024, 08:40 مساء
خالد العيساوي

حين يتقمص المصلح دور السلطان فإنه يوشك أن يتخلى عن مبادئه وقيمه لينحاز إلى هذا السلطان، وحين تسيطر فكرة المكاسب النفعية عليه فإنه بدل أن يبحث عن طرائق لإصلاح الخطأ يبحث عن طرائق لتبريره والدفاع عنه، وبدل أن يدافع عن الحق يتحول إلى أداة لكتم هذا الحق، فبعد أن كان الحق عنده هو ما وافق القيم التي يؤمن بها، يصير الحق عنده ما وافق المصالح التي يتمتع بها، وما عدا ذلك باطل يستحق السحق، وضلال يستوجب الطمس والمحق، ليتحول المصلح إلى دكتاتور وطاغية، فالسلطان بعد أن يصنعه صاحبه، يصير هو صانعاً وموجهاً لصاحبه.

كذلك الأيديولوجيا الفكرية تكون أداة لإنارة العقول والأفهام، ونشر الوعي والإدراك، لكنها حين تمارس العمل السياسي وتصبح قوة سياسية فإنها ترتكب خطأ جسيماً يكاد يقتلها من الداخل، ذلك أنها بدل التفكير في تطوير نفسها ومواكبة مستجدات عصرها، وتقديم الحلول لمشاكل المجتمعات التي نشأت فيها، تتجمد ويصبح همها الأول الحفاظ على مكاسبها السياسية، وبدل أن ترى الآخرين منافسين شرفاء، تجادلهم بالحجة، وتناظرهم بقوة المنطق، تنظر إليهم على أنهم أعداء ألداء، تناقشهم بأفكار معوجة، وتحاورهم بأسلوب المتحكم المتسلط المتشدق.

حين تحول الفكر الماركسي من مجرد فكر فلسفي إلى دولة تمتلك القوة وتسيطر على نصف العالم إبان الثورة البلشفية على يد لينين سنة 1917 تحول همه من التفكير في تطوير نفسه خدمة للمجتمعات الإنسانية، إلى التفكير في كيفية الحفاظ على مكاسبه السياسية، بل إن التفكير في تطوير هذا الفكر حتى من أهله أنفسهم صار خيانة عظمى تستوجب أقسى العقوبات، وبذلك ظهر عند الماركسيين مصطلح (التحريفيين)، وهم أولئك الماركسيون الذين حاولوا الاجتهاد من أجل تطوير هذه الأيديولوجيا بشكل من الأشكال، فالذي حدث هو أن كل من حاول أن يحيد قليلا، بالتغيير أو التطوير، عن فكر ماركس المتمثل في كتاب: «الأيديولوجية الألمانية» وكتاب «رأس المال»، كلَ من حاول فعل ذلك أصبح في نظر أصحاب هذه الأيديولوجيا تحريفيا بسبب مخالفته لنص «ماركس» الذي تحول عندهم إلى نص مقدس وكأنه جاء من السماء، لقد صار «ماركس» نبياً وأصبحت كتاباته وحياً، هذا والحال أن النقد جاء من أبناء الأيديولوجيا نفسها، فكيف إذا جاء من غيرهم؟ الجرم أكبر، والخطأ أنكى وأشنع.

لقد حاول الفيلسوف الفرنسي روجيه غارودي (1913-2012)، وهو ابن الحزب الشيوعي وأحد أعضائه البارزين، أن يعمل على إصلاح أفكار الحزب من الداخل، فقد كان في البداية يرى في الفكر الماركسي أيديولوجيا قادرة على مواجهة الفكر الرأسمالي المتطرف، وحائط سد ضد سياسات هتلر التوسعية، لكنه ما لبث أن تراءى له أن الاتحاد السوفيتي، نظام سياسي، لم يكن يمثل الفكر الماركسي الاشتراكي؛ لأنه كان ينتهج الغزو المسلح أسلوباً لمعالجة الأزمات السياسية بدل الفكر، كما تبين له أن الماركسية جنحت نحو إعطاء الجانب المادي الاقتصادي الأهمية الكبرى وجردت المشاكل البشرية من الجانب الإنساني فيها، وبذلك صارت الماركسية في نظره (استبدادية + مادية)، فحاول إصلاحها من الداخل من خلال أنسنة الفكر الماركسي، فالفلسفة في رأيه لا يجب عليها أن تتقوقع داخل المجالات التنظيرية العقيمة، أو النقاشات الجدلية السقيمة، بل ينبغي لها أن تنزل إلى حياة المواطن البسيط لتكون له خادمة، وأن تتحول إلى نزعة إنسانية بدل أن تبقى آلة اقتصادية أو فكرة تجريدية تنظيرية، لكنه قوبل بالطرد من الحزب الشيوعي بعد أن نعت بأنه تحريفي، ولعل ذلك من حسن حظه، فقد وجد في الإسلام بعد ذلك ضالته، فاعتنقه ديناً وصار من أكبر المنظرين للفكر الإسلامي.

هناك مقتل آخر للأيديولوجيا، وهو تحولها إلى نسق فكري ثابت، فالفكر الأيديولوجي يسعى بشكل أو بآخر إلى بناء نسق ما، من خلال اعتماده على مقولات أصحابه ورؤاهم، لكنه يقع في خطأ جسيم حين يحول هذه المقولات إلى مقولات خالدة غير قابلة للتطوير، وحين يحول شخوصه إلى شخوص أيقونية مقدسة غير قابلة للنقد والمناقشة، فيكسل أصحابه عن التفكير، ويتقاعس أهله عن التدبير، ويتخلفون عن مواكبة ما يطرأ على المجتمعات من ظواهر جديدة، غير تلك الظواهر القديمة البائدة التليدة، والمشكلة تكون أكبر حين يعمدون إلى محاربة كل من تنور عقله وفهمه، وأراد أن يطور أو يصلح أو يجدد، ومن هنا تظهر مصطلحات رافضة لكل هذا التغيير من مثل: «التحريف والتكفير والابتداع والتضليل والتزوير والخيانة والعمالة... وما إلى ذلك»، فيحدث جمود لهذه الأيديولوجيا بسبب عدم تطورها وعدم قدرتها على مواكبة عصرها، الأمر الذي من شأنه أن يمهد إلى مرضها واعتلالها، وصولاً إلى موتها واندثارها، كل ذلك بسبب تحولها إلى قوة سياسية همها الحفاظ على مكاسبها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، بسبب صيرورتها إلى نسقية جامدة ترى الإصلاح بدعة، وتتخذ من سحق الآخرين منهجا وشرعة.

هذا الأمر قد ينطبق بشكل كبير على الأحزاب السياسية، فهي تتبنى في نشأتها أيديولوجيا ما، لكنها تركز دوماً على فكرة إسقاط الآخر والتربع على كرسي السلطة مكانه، وحين تصل إلى الكرسي تغفل أيما غفلة عن تطوير منهجها، وتحسين أدائها، مقابل محاربة الخصوم والمحافظة على مكاسبها السياسية، ويزداد الأمر تعقيداً حين تعمد إلى تمكين المنتمين إليها من كل مفاصل الدولة ومؤسساتها واستبعاد الآخرين، سعياً إلى البقاء في السلطة أطول فترة ممكنة، فيتحول هذا الأمر إلى هدف حزبي بديل عن الهدف الذي تشكل من أجله الحزب وهو نشر فكر ما أو أيديولوجيا ما، وحين ينتبه أحد أبناء هذا الحزب إلى هذا الأمر فإنه يتهم بالخيانة والردة، وبأنه ضحل الفكر قليل العدة، فلا يلبث أن ينشق عن الحزب ليكوّن حزباً جديداً بأيديولوجيا جديدة، وما إن يصل إلى السلطة حتى يعيد الكرة، لكن بطريقة أشد وأعتى هذه المرة.

الفكر يجب أن يبقى فكراً، رقيباً موجهاً وليس رئيساً متسلطاً، فالفكر إذا رأى في نفسه الأهلية دون غيره صار كفراً وليس فكراً، صار كفراً بالعقل المنتج المبدع، وهذا أمر مخيف جداً ومفزع، وإذا وصلت الأيديولوجيا إلى هذه المرحلة فأطلق عليها من النعوت ما شئت، إلا أن تصفها بأنها فكر أو أيديولوجيا، فالفكر الأوحد... ضلال أوحد.