اختلط عندي صراخه بصراخ من يعذبون في زنازين «بوسليم»، لم أعد أتبين حالي بعد أن رج دماغي رجاً لا يحتمل، حاصرتني الكتب فسقطت كما طائر لا محط له، فلا جبل يأويني، تارة يخيل لي أني تحت برج إيفل، تارة أخرى في وادي جهنم، هذه الخلائط حولت بدني إلى عجين رخو، زحفت على بطني، طائرة في هواء ساخن، قال رفيقي إن الليبيين يدعونه القبلي، عندنا ريح الجنوب.
باعتباري مهووسة كتب، بدا أني أطير على بساط الريح في أجواء ألف ليلة وليلة، أتلو مزامير سفيتلانا الكساندروفنا اليكسييفتش في «صلاة تشرنوبل»، أنا شاهدة على تشرنوبل، أهم أحداث القرن العشرين، بغض النظر عن الحروب المخيفة والثورات، التي سيتذكرها هذا القرن. عشرون عاماً مرت بعد الكارثة، لكن لديَّ حتى الآن سؤال، على ماذا سأشهد: على الماضي أم على المستقبل؟ من السهل هكذا السقوط في الابتذال، في ابتذال الرعب... لكنني أنظر الى تشرنوبل كبداية للتاريخ الجديد إنه ليس معرفة فحسب، بل مقدمة المعرفة، لأن الإنسان دخل في جدال مع التصورات القديمة عن نفسه وعن العالم، عندما نتكلم عن الماضي أو عن الحاضر، فإننا ندخل في هذه الكلمات تصوراتنا عن الزمن، لكن تشرنوبل هو قبل كل شيء كارثة الزمن، إن النيكلودات المشعة المنثورة على أرضنا ستعيش خمسين، مئة، مئتي ألف عام... وأكثر... فهي أبدية من وجهة نظر الحياة الإنسانية، ما الذي نقدر نحن على إدراكه؟ هل بمقدورنا الوصول إلى المغزى الكامن في هذا الرعب، غير المعروف لنا من قبل ووعيه تماماً؟ عن ماذا هذا الكتاب؟ ولماذا كتبته؟».
أخذت أقلب الصفحات أريد ألتهمها أو تلتهمني، أسبح في عرقي أمسك بقشة كي لا أغرق، أمواجي تتلاطم، أخرج من باب إلى باب مثلما المرايا، لي أرواح لا تعد تتطاير مع الانفجارات وتقريعات المحقق التي لا تتوقف، أعاود تلاوة مزامير سفيتلانا الكساندروفنا اليكسييفتش في «صلاة تشرنوبل»: «هذا الكتاب ليس عن تشرنوبل بل عن عالم تشرنوبل، كتبت عن الحادثة نفسها آلاف الصفحات، وصورت مئات آلاف المترات من أفلام التصوير. أنا أشتغل على ما يمكن أن أسميه التاريخ المغفل، على الآثار التي لم تترك أثراً لوجودنا على سطح الأرض وفي الزمن، أكتب وأجمع الأحاسيس اليومية المعيشة والأفكار والكلمات.
أحاول الارتقاء لأكون روحاً، وأكتب عن الحياة المعيشية للناس العاديين، هنا كل شيء غير عادي: الظروف والناس وكيف أجبروا أن يكونوا، رفعوهم ليصبحوا بمستوى الظروف، عندما أعمروا الفضاء الجديد، تشرنوبل بالنسبة لهم ليس استعارة ولا رمزا – هو بيتهم كم مرة أجرى الفن بروفات على الرؤيا، وجرب سيناريوهات تكنولوجية متعددة ليوم القيامة، لكننا الآن نعرف بدقة بأن الحياة ستكون أكثرغرابة، سألني أحدهم بعد سنة من الكارثة: الجميع يكتب، وأنت تعيشين هنا ولا تكتبين، لماذا؟ أنا لا أعرف كيف أكتب ذلك، بأية وسيلة، ومن أين تدخل إذا كنت في السابق، عندما كتبت كتبي، قد نظرت عميقاً في معاناة الآخرين، فأنا وحياتي الآن أصبحت جزءاً من الأحداث نفسها. فقدنا بصيرتنا جميعاً، ولا يمكننا الابتعاد إلى مسافة ما عما جرى، اسم دولتي الصغير الضائع في أوروبا، تلك التي لم يعرف عنها العالم تقريباً أي شيء من قبل، رن في جميع اللغات وتحولت إلى مختبر تشرنوبل الشيطاني، أما نحن البيلاروسيين فأصبحنا شعب تشرنوبل. ما من مكان أظهر فيه الآن إلا وينظرون اليَّ بفضول سائلين: هل أنت من هناك؟ ماذا حدث عندكم؟ طبعاً كان يمكن كتابة كتاب بسرعة، مثل تلك الكتب التي صدرت فيما بعد، الواحد تلو الآخر – ماذا حصل تلك الليلة في المحطة، من المذنب، كيف أخفوا الحادث عن العالم وعن شعبهم. كم احتاج الأمر من أطنان الرمل والأسمنت، لتشييد التابوت فوق المفاعل الذي يتنفس الموت، لكن شيئاً ما استوقفني، قبض عليَّ من يدي، ماذا؟ الإحساس بالسرية، هذا الإحساس الذي استقر فينا، وخيم حينها فوق كل شيء: أحاديثنا، وتصرفاتنا، ورعبنا مما أعقب الحادث مباشرة. الحادث الوحش الضخم لقد أظهر لدى الجميع، إحساس يمكن التعبير عنه أو لا يمكن، بأننا اصطدمنا بالمجهول، تشرنوبل هو سر، يتعين علينا حله. هو رمز غير مفسر، لعله لغز للقرن الحادي والعشرين، وتحد له. لقد أصبح واضحاً: فما عدا التحديات الدينية والقومية والشيوعية التي نعيشها ونتخطاها اليوم، تنتظرنا تحديات أخرى، أكثر وحشية وشمولية لكنها ما زالت خافية عن العين. إلا أن شيئاً – ما بدأ يتكشف بعد تشرنوبل.
ليلة 26 نيسان (أبريل) العام 1986... خلال تلك الليلة الواحدة، انتقلنا الى مكان آخر من التاريخ. حققنا قفزة إلى واقع جديد، وتبين أن هذا الواقع أعلى ليس فقط من معرفتنا، بل ومن تصوراتنا أيضاً. انقطع ارتباط الأزمان... اتضح فجأة أن الماضي عاجز وغير قادر، لا شيء فيه تستند إليه، لم نجد (كما كنا نعتقد) في أرشيفات البشرية كلها، مفاتيح كي نفتح هذا الباب. سمعت أكثر من مرة في تلك الأيام عبارات: «لا أستطيع إيجاد الكلمات، لأعبر، عما شاهدت وعايشت»، «لم يحدثني أحد من قبل عما يشبه ذلك»، «لم أقرأ عن ذلك في أي كتاب، ولم أر في السينما»، إن الفترة ما بين حصول الكارثة، وبداية التحدث عنها، كانت فترة توقف مؤقت، لحظة بُكم...علقت في ذاكرة الجميع...اتخذوا في مكان – ما- في الأعلى حلولاً محددة، ألفوا تعليمات سرية، أطلقوا طائرات الهيلوكوبتر إلى السماء، حركوا في الطرق أعداداً ضخمة من الآليات، وفي الأسفل – انتظروا الأخبار وخافوا، عاشوا مع الشائعات، لكنهم جميعا سكتوا عن الأهم – ما الذي حصل بالفعل؟ لم يجدوا كلمات للأحاسيس الجديدة ولم يجدوا أحاسيس للكلمات الجديدة، لم يستطيعوا التعبير بعد، لكن شيئاً فشيئاً انغمسوا في أجواء محاكمات عقلية جديدة، هكذا يمكن اليوم، تحديد حالتنا حينها.
ببساطة لم تعد الحقائق تكفي، كنا مشدودين للنظر إلى ما خلفها والدخول في جوهر ما يحدث، كان تأثير الهزة بادياً على الوجوه، وأنا كنت أبحث عن هذا الإنسان المهزوز قال نصوصاً جديدة، كانت الأصوات تخترق وكأنها من خلال حلم أو هذيان قادمة من العالم الموازي، قريباً من تشرنوبل بدأ الجميع بالتفلسف، أصبحوا فلاسفة».
تلبسني شيطان محامٍ، في مواجهة محاكمة النائب العام فيها المتهم، الذي يريد أن يتهمني بكل مصائب العالم، قال لي أنتم من نشر الإيدز في بلادنا، ممرضاتكم من حقنوا أطفالنا المرضى في مستشفى الأطفال بنغازي، كدت أسقط مصروعة من هذه الصرعة التي لم أسمع بها بالمرة، فلم أكن قبل مهتمة حتى بنفسي، قلت لنفسي هذا الأهوج يريد أن يبريء نفسه من جرائمهم ما يرتكبون الساعة، وما ارتكبوا خلال أربعة عقود سيطروا فيها على البلاد. كمهووسة فتشت في الإنترنت: «قضية ضحايا الإيدز في ليبيا، هي قضية تورطت فيها خمس ممرضات بلغاريات وطبيب فلسطيني، كانوا يعملون في مستشفى الفاتح للأطفال في مدينة بنغازي في ليبيا، حيث اتهموا بحقن أكثر من 400 طفل ليبي بدم ملوث بفيروس الإيدز.
استمرت القضية 9 سنوات من سنة 1998 إلى 2007، عندما وصلت مفوضة الاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية بينيتا فيريرو فالدنر، وسيسيليا ساركوزي الزوجة السابقة للرئيس الفرنسي آنذاك نيكولا ساركوزي، إلى ليبيا للتفاوض بشأن إطلاق سراح الممرضات. وفي 24 يوليو 2007 نُقل الستة جميعهم إلى بلغاريا ووضعوا تحت الحجز، ولاحقًا رئيس بلغاريا عفا عنهم، بعد أن كان القضاء الليبي قد أصدر عليهم حكماً بالإعدام. توفي حوالي 56 من الأطفال المصابين بحلول أغسطس 2007، ارتفع عدد الضحايا إلى 131 العام 2022.
كما جرى إنشاء صندوق خاص لتعويض الضحايا، تحت اسم «صندوق بنغازي لجبر الضرر للأطفال الضحايا» وصلت قيمته إلى 600 مليون دولار، شاركت في تمويله دول مثل بلغاريا والتشيك، (نحو مليون دولار أميركي لكل ضحية). وعقب الإفراج عنهم جرى عقد شراكة في مجالات مختلفة بين ليبيا وفرنسا، حيث وقع الرئيس ساركوزي أثناء زيارة له إلى ليبيا على مشروع شراكة في مجال الطاقة النووية»!.
لم أقل له أن المجرمين حلفاء في الأخير ودمهم السلطة، وأن تدمير الحياة الذي تساهم فيه بلادي لا يبرر جرائمهم، لم أقل ذلك ليس خوفاً ولا لأي حسابات سياسية، لكن لا جدوى من قول ذلك لأمثالهم فحسب. لليلة كاملة وجدت نفسي مرمية على الأرض نائمة شبه عارية، منكمشة في وضع الجنين أوكما صرصار كافكا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات