Atwasat

خلفيات معاداة القذافي للرياضة

عمر أبو القاسم الككلي الأحد 24 مارس 2024, 11:03 مساء
عمر أبو القاسم الككلي

في مقال من سلسلة مقالاته المشمولة بعنوان «تشريح القنفذ» والتي يبدو أنها مشروع كتاب يتناول مواقف وممارسات معمر القذافي من جوانب متعددة، يتطرق* عمر الكدي إلى عداء القذافي للرياضة عموماً، ورياضة كرة القدم تحديداً، حيث عمل على إعاقة هذه الرياضة في ليبيا وحال دون تكون فرق رياضية قوية يبرز فيها لاعبون متميزون، ووقف حجر عثرة أمام تكون منتخب وطني ليبي على قدر من الكفاءة التي تمكنه من الانخراط في منافسات إقليمية ودولية.

وفي هذا المقال أود الكشف عن خلفيات معمر القذافي التي تنطلق من منصتها ممارساته هذه. وأقارب هذه الخلفيات من ثلاثة مداخل:

* المدخل الأول، الخلفية الثقافية، أو الذهنية، المكونة لتفكير معمر القذافي، وهي الذهنية البدوية التي لا تحفل بالنشاطات الرياضية الحديثة وتتمسك، مثلما أشار الكدي، بالألعاب التراثية وفي مقدمتها ألعاب الفروسية.

* المدخل الثاني، الهاجس الأمني الذي يتملك معمر القذافي. فهذا الهاجس جعله يخشى من أن تكون الأندية الرياضية، في نشاطاتها الثقافية، مقراً وواجهة لتشكل تيارات فكرية ذات توجه سياسي وأنوية تنظيمية معادية لنظامه ضرورة. ومن جانب آخر جعله هذا الهاجس الأمني يخشى من التجمعات الجماهيرية الكبيرة في الملاعب بحيث يمكن لهذه الحشود، تحت تأثير شرارة حدث ما، أن تخرج في مسيرات ومظاهرات معارضة لنظامه وممارساته.

هذه الخشية من التجمعات الكبيرة أثرت في مجال آخر غير الرياضة، حيث شن، أواسط ثمانينيات القرن الماضي حملة على مدينة طرابلس، بسبب اكتظاظها بالسكان، بتعطيل خدمات النظافة فيها وتخريب شوارعها الداخلية ودعا إلى ما أسماه «الهجرة المعاكسة»، أي عودة سكان طرابلس القادمين من مدن وبلدات وقرى أخرى إلى العودة إلى من حيث جاءوا.

لكن هذه الحملة كانت عبثية، لأن الناس لا تلجأ إلى المدن الإقليمية حباً في هذه المدن، وإنما لأن الظروف الاقتصادية والمعيشية العامة لم تعد تفي بتلبية الاحتياجات، وبالتالي فإن عودتهم إلى أماكنهم الأصلية تتطلب تنفيذ مشاريع اقتصادية لتحسين مستوى هذه المواطن وإيجاد فرص عمل تستوعب العائدين، وهذا ما لم يرغب معمر القذافي في القيام به. هذا الهاجس كان أيضاً وراء إساءة وضع الأقسام الداخلية بالجامعات بحيث لا يلجأ إلى الإقامة فيها إلا المضطر، كما كان وراء التوسع في انتشار «الجامعات» للحيلولة دون تركز أعداد هائلة من الطلبة في عدد قليل منها في مدينتين.

* المدخل الثالث متعلق بالجانب النفسي المرضي لمعمر القذافي. فمما لا جدال فيه أن معمر القذافي مصاب بمرض جنون العظمة «بانارويا». وهذا المرض بلغ لديه درجة فائقة من الاستفحال دفعته إلى محاربة التميز والنجومية في النشاطات ذات الطبيعة العامة مثل الغناء والمسرح والرياضة، بدعوى أنه «لا نجومية في المجتمع الجماهيري».

ففي مجال الرياضة أمر، مثلما أشار الكدي، بعدم ذكر أسماء الرياضيين من قبل المعلقين الذين يتولون وصف مجريات مباريات كرة القدم والاكتفاء بذكر أرقامهم.

كما أوقف المعلق الرياضي الليبي المتميز محمد بالراس علي عن ممارسة التعليق على المباريات وعهد بذلك إلى معلقين أقل كفاءة. أبعد من ذلك، في إطار الحساسية من النخبوية، أمر بتغيير اسم فندق ومقهى بطرابلس من «الصفوة» إلى «الصفاء».

كل ذلك ليظل هو النجم «الساطع» الوحيد في «ظلام ليبيا» الذي ساهم إسهاماً كبيراً في سواده. يدل على هذا المسعى، إضافة إلى ما تقدم، كثرة ظهوره في التلفزيون من خلال خطاباته في المناسبات المختلفة وما يعقده من لقاءات مذاعة مع أساتذة الجامعات وغيرهم يستأثر فيها بالحديث معاملاً الحضور كتلاميذ ومريدين، والندوات على النطاق العربي والعالمي التي تعقد حول «الكتاب الأخضر»، وكتابته أحياناً في الصحف باسم مستعار، ولكن يعرف أنه هو كاتبه من خلال قراءة المقال في التلفزيون، كما أصدر مجموعة قصصية باسمه كان قد نشر بعضها قبل ذلك باسم مستعار.

* ينظر عمر الكدي، تشريح القنفذ ـ القذافي والرياضة (27).
https://alwasat.ly/news/opinions/431552?author=1



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»