بعد اللاءات الأميركية الثلاث المتعلقة بحماس ووقف إطلاق النار وتوسيع رقعة الصراع تأتي نعم واحدة فقط، ولكنها بمثابة بلسم لكل الجراح، فيتمسك بها الحكام العرب ويرددونها في كل بياناتهم وتصريحاتهم، ولسان حالهم يقول: لقد اضطررنا الولايات المتحدة للعودة بجدية إلى حل الدولتين، ويجب علينا أن نغفر للولايات المتحدة ما دون ذلك، فكل ما تفعله هي وإسرائيل في غزة، على الرغم من قسوته، يهون أمام هذا الوعد الجاد من قِبل الدولة التى تمسك بمفاتيح الحرب والسلم والحل في الشرق الأوسط والعالم، وبالتالي لا ينبغي استفزاز الولايات المتحدة ولا الغرب بمواقف وقرارات عديمة الجدوى، لأنه بإمكان الولايات المتحدة وقوى الغرب الكبرى الذين جاءوا بحاملات طائراتهم وغواصاتهم الذرية أن يفعلوا أكثر من هذا، لتمكين إسرائيل من الدفاع عن نفسها دون أن يعدوا أحدا بأي شيء.
إذا في هذه الأيام لا يقف أى مسؤول في العالم متحدثا عن الحرب في غزة إلا ويذكر مفردة «الدولتين»، بعد أن عاد المسؤولون الأميركيون وزعماء الغرب عموما إلى ترديدها في خطاباتهم المتضامنة مع إسرائيل في حقها في الدفاع عن نفسها، ورفضهم إيقاف إطلاق النار حتى القضاء على حماس، وعدم توسيع رقعة الصراع، حتى لا ينشغلوا بجبهات أخرى غير غزة، فبدا ترديد هذه المفردة من قِبل الأميركيين بمثابة تعويذة، للتخفيف من وطأة رؤية آلاف الأطفال والنساء والرجال أشلاء غارقين في دمائهم تحت أنقاض غزة، ومئات الآلاف الهائمين على وجوههم عطشى وجوعى ونازفين بين خرائب شمال غزة وجنوبها.
كما أن هذه التعويذة هي بمثابة قطعة قماش تلقي بها الولايات المتحدة الأميركية إلى الحكام العرب الذين أصبحوا كمن وجد نفسه داخل حمام انهارت فجأة جدرانه، وليس معه ما يستر نفسه به.
إذن، دولة فلسطينية والقضاء على حماس هو حلم لم يكن يراود أحدا من الحكام العرب قبل شهر من الآن، ولا سيما بعد خطاب نتانياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، الذى لم يرد فيه أي ذكر للفلسطينيين، بل وبخ ضمنا الذين انتقدوا سياسته من بعض قادة العالم، وتفاخر بأنه لولا هذا النهج لما رأى العالم هذا التزاحم من قِبل الدول العربية، من أقصى الغرب إلى أقصي الشرق، لإقامة علاقات مع إسرائيل دون أن يقرنوا ذلك بتغيير سياستها تجاه الفلسطينيين. غير أن تعويذة الدولتين، التي يحرص المسؤولون الأميركيون على الإشارة إليها في أعقاب لاءاتهم الواضحة وإملاءاتهم الصارمة، ويكررها من خلفهم الكثير من زعماء العالم، لا تنال أي اهتمام أو تعليق لا من قريب ولا من بعيد من قِبل الحكومة الإسرائيلية حتى الآن، ولعل ذلك يرجع إلى عدة أسباب، منها:
1- الإسرائيليون يعلمون أنها مجرد مفردة في خطاب حملة علاقات عامة تقوم بها الإدارة الأميركية، للرد على الانتقادات المتصاعدة في جميع أنحاء العالم، وفي الداخل الأميركي ضد دورها في الحرب التي تجري في غزة من ناحية، ومن ناحية أخرى من أجل رفع الحرج عن أتباعها من الحكام العرب، ليقولوا لمنتقديهم: ها هي حكمتنا وتبصرنا وصبرنا أوصل الولايات المتحدة إلى تجديد تأكيدها واعترافها بحق الفلسطينيين في إقامة دولتهم إلى جانب دولة إسرائيل.
2- إسرائيل تدرك أن هذا الخطاب محصور في الواقع بين الولايات المتحدة والعرب، وأنه سيأتي الوقت الذى ستدير فيه الولايات المتحدة ظهرها لهم، وتترك الأمر بينهم وبين إسرائيل كما فعلت في كل التجارب السابقة.
كما أن إسرائيل تعرف أن الانتخابات الأميركية القادمة إما أن تعيد بايدن لمدة رئاسية ثانية أو تأتي برئيس جمهوري، الذي من المرجح أن يكون دونالد ترامب الذي يحوز 61% من مرشحي الحزب الجمهوري، وهو الذي هاجم الرئيس بايدن لسياسته الرخوة والمتخاذلة في دعم إسرائيل، وعدم ضرب إيران حتى الآن. كما توعد الذين خرجوا في مظاهرات مؤيدة للفلسطينيين في المدن الأميركية بتقديمهم للقضاء إذا ما عاد إلى البيت الأبيض.
3- إسرائيل تدرك أن أية إشارة إلى هذا الموضوع، وفي هذا الوقت بالذات، تعد انتصارا للفلسطينيين وحماس، ورفعا لمعنويات بعض العرب، وهذا يعد أمرا خطيرا في خضم الحرب التي تخوضها، حتى وإن كان ذلك مجرد كذبة دبلوماسية ستتبخر عندما تشرق عليها شمس الحقيقة في اليوم الثاني لانتصار إسرائيل الساحق، والمؤكد أميركيا. لهذا، فهي تمضي في حملتها العسكرية، للقضاء على حماس، وقتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين إلى أن تطرد من تبقي منهم حيا في اتجاه الحدود المصرية أو تسلم أطلال وخرائب قطاع غزة لإدارة فلسطينية أو عربية تحت رقابة عين إسرائيل الساهرة.
ليس هناك مفردة في قاموس التفاوض الفلسطيني - الإسرائيلي أكثر غموضا وأكثر قابلية لتعدد التفسيرات من مفردة «الدولتين»، وهذا ما يجعل المسؤولين الأميركيين والغربيين يستخدمون هذه المفردة دون خشية التورط في الالتزام بأي شيء محدد وواضح. وقد سبق للولايات المتحدة أن استخدمت هذه التعويذة إبان حرب الخليج الثانية التي مهدت لغزو العراق وتدميره في الحرب التي تلتها.
فبعد مفاوضات مدريد، تركت الولايات المتحدة الأمر بين الفلسطينيين وإسرائيل، فأملت هذه الأخيرة على الفلسطينيين اتفاقات أوسلو التي ظل الحديث يجري حولها أكثر من ثلاثة عقود، أقامت خلالها إسرائيل آلاف المستعمرات على ما من المفترض أن تكون أراضي الدولة الفلسطينية المنتظرة، ثم انتهي الأمر بقتل الرئيس عرفات، واعتراف الولايات المتحدة في عهد الرئيس ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل.
وعلى الرغم من صدور قرارات من المنظمة الدولية تبين حدود الدولة الفلسطينية على أنها هي حدود الرابع من يونيو 1967، فإن البيانات والتصريحات التي تصدر عن الولايات المتحدة، والغرب عموما، تكتفي بذكر مفردة «الدولتين» الغامضة دون ذكر أي من القرارات الدولية التي تحدد جغرافيا حدود هذه الدولة. ولعل خير شاهد وأوضح دليل على ذلك هو ما جرى في المؤتمر الذي انعقد في عمان بين وزراء خارجية عرب ووزير الخارجية الأميركي، الذي لم تكن في بيانه نقطة مشتركة سوى مفردة «الدولتين». وعلى الرغم من أن الوزراء العرب كرروا ذكر حدود الرابع من يونيو والقدس الشرقية، فإن الوزير أنتوني بلينكن لم يلق بالا لما يلهثون به، ولم يزد على مفردة «الدولتين» حرفا واحدا، وذلك بوصفها تعويذة ضرورية، لتسويقها إلى العالم، وحفظ ماء وجه من كانوا مجتمعين معه، إلى أن تنتهي إسرائيل من قتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين، واحتلال غزة، والقضاء على حماس المتمردة، لتعود بعد ذلك الأمور التي انفلتت بسبب هذا التمرد إلى وضعها لما قبل السابع من أكتوبر، ولتبقى مشاهد أطلال وخرابات غزة عبرة لكل عين ترى، وشاهدا على جبروت الغرب، يذكر كل من تسول له نفسه التمرد على إستراتيجية تأسست أركانها في المنطقة على الغزو والحديد والنار منذ ما يقارب القرون الثلاثة.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات