Atwasat

فلسطين في ذاكرة الصحافة القومية

سالم الهنداوي الخميس 02 نوفمبر 2023, 07:07 مساء
سالم الهنداوي

.. منذ أكثر من عقدين من الزمن فقدنا صحافتنا القومية التي كانت "منبر فلسطين" الأبرز، سواء اتفقنا مع تلك الأنظمة العربية الداعمة لها أو اختلفنا معها.. فأقلامنا، بذواتنا ومواقفنا، كانت واضحة في مقالاتنا وتحقيقاتنا واستطلاعاتنا، وهي أسلحتنا الفكرية وذخيرتنا الصائبة على تلك الجبهات العنيدة في مواجهتنا مع "إسرائيل" قبل أن يجفّ حبرها على أبواب المطابع في نيقوسيا ولندن وباريس، كما جفافها في بيروت والكويت مع كبريات الصُّحف والمجلّات التي انتهت بين حربي الخليج الأولى والثانية مُخلّفة وراءها فراغاً صحفياً كبيراً لم تستطع المواقع الإلكترونية تعويضه على مدى ثلاثة عقود من الزمن.

لقد حافظت تلك الصحافة الورقية الرائجة على مكان "فلسطين" في العقل العربي ووجدانه، وكانت الضمير للرأي العام العربي، ومصدر قلق للكثير من الأنظمة العربية في تقدير حساباتها السياسية على موائد المباحثات والمفاوضات، بل وفي تعيير توجُّهاتها السياسية الخارجية وعلاقاتها مع الغرب، وهو القلق ذاته الذي كان يعتري إلى حدٍّ كبير سياسات "الكيان الصهيوني" الذي كان يعتبر "الإعلام العربي" أكثر خطورة على أمنه من "السلاح العربي" الذي يصدأ مع السنوات ويفقد صلاحيته، بعكس "الإعلام" الذي يمكنه تأجيج الشارع والتأثير في الرأي العام العربي والعالمي، وهو ما حدث أثناء مجزرة "صبرا وشاتيلا" وأثناء "اجتياح بيروت" ومع "مجزرة قانا" حيث سبقت الصورة الخبر والمقال وردود الأفعال إلى ضمير المجتمع الدولي قبل أن تحاول إسرائيل الدفاع عن جريمتها في أروقة الأمم المتّحدة وتخسر موقفها الدولي وتقبل بحوار "السلام" وفي حساباتها مدّة صلاحيته لنقضه في التوقيت المناسب.

كانت السبعة عقود ونيّف من الاحتلال والصراع العربي- الإسرائيلي تنتهي بنقض العهود جرّاء توسيع الاستيطان بخطّة الطُرق الالتفافية والاحتواء كالتي تبنّتها حكومة "أريئيل شارون" ووضع أساسها لمستوطنة "هارحوما" بأراضي الضفة الغربية على "جبل أبوغنيم" ولتكون من أكبر المستوطنات اليهودية بهدف الفصل بين مدينة "القدس" ومدينة "بيت لحم" تلتها مشروعات ديموغرافية أخرى عميقة بين أجزاء الضفّة والقطاع لتمزيق الأرض الفلسطينية بإدارة "الجهاز الاستيطاني اليهودي" ومشروعه الذي كان يهدف إلى زيادة عدد المستوطنات حتى وصلت في العام 2000 فقط إلى 000'500 ألف مستوطنة في إطار خطة استيطان ممنهجة قادها حزب "الليكود" و"الحزب القومي الديني".. وقد صيغت خطة "جهاز الاستيطان" بالاستغلال السريع لانتصار "الليكود" في تلك الحقبة مـن أجل خلق مزيد من "الوقائع على الأرض" الأمر الذي كان السبب الرئيس في فشل كُل المفاوضات بعد "أوسلو".. فلا خارطة سياسية ولا جغرافية بإمكانها ربط الفلسطينيين وتوحيد شملهم في دولة فلسطينية "واحدة" منزوعة السيادة، وبلا أرض!

كانت قضية "الاستيطان" من أهم القضايا التي اغتالت اتفاق "أوسلو" وضيّعت حقوق الفلسطينيين ومزّقت أرضهم إلى أجزاء بين تخوم المستوطنات اليهودية، وبعزل السلطة الفلسطينية في "رام الله" عن قطاع "غزًة"، جعلت من الضفّة الرعيّة التاريخية في خاصرة "الأردن" بحدودها السياسية والجغرافية، كما جعلت من غزّة الرعية التاريخية في خاصرة مصر بحدودها السياسية والجغرافية، بينما بقية أجزاء فلسطين، مُدناً وبلدات، أصبحت ضحيّة الاحتلال بعيداً عن الرقابة الدولية، وفرض عيش الفلسطينيين فيها كما "عرب 48" الذين بقوا في أراضيهم عند احتلال إسرائيل لفلسطين عام 1948، وخضعوا لحكم دولة الاحتلال وأُعطوا الجنسية الإسرائيلية أو الإقامة الدائمة، ويمثِّل "فلسطينيو الـ48" ما نسبته 21% من سكان إسرائيل وفقاً لإحصائيات العام 2023، ويتوزّعون في مناطق "النقب" و"المثلث" وشمال الأراضي المحتلة، ويُطلَق عليهم لقب "فلسطينيو الداخل" أو "فلسطينيو الـ48″، وهي تسميات شائعة للفلسطينيين الذين يحملون الجنسية الإسرائيلية ويعيشون داخل إسرائيل بحدود الخط الأخضر، أي خط هدنة 1948 بينما يُطلِق عليهم "الإعلام الإسرائيلي" لقب "عرب إسرائيل" أو "الوسط العربي" كما يسمّيهم أحيانا بـ"أبناء الأقليات".

فماذا بقي إذن من أرض فلسطين في ظِل النهب الجغرافي الممنهج منذ أكثر من سبعة عقود من الاحتلال بإدارة جنرالات الحروب والإبادة، من "موشيه دايان" إلى "آرئيل شارون" إلى "إيهود باراك" إلى "موشيه يعالون" إلى "أفيغدور ليبرمان" إلى "يوآف غالانت"، ومروراً بسياسيّي أحزاب اليسار واليمين، من "دافيد بن غوريون" إلى "جولدا مائير" إلى "حاييم وايزمان" إلى "مناحم بيغن" إلى "إسحاق رابين" إلى "شمعون بيريز" إلى "بنيامين نتنياهو".. وكُلهم عبر تاريخ الدولة العبرية ينصبون العداء للعرب والفلسطينيين مسيحيين ومسلمين، ومن خرج عن سربهم "الأزرق" وحاول "السلام" قتلوه، كما حدث لـ"رابين" الذي مشى في جنازته شُركاء السلام من الحُكّام العرب أكثر من حُكّام إسرائيل الذين تقدّمهم "شمعون بيريز" راعياً للهدنة ومدافعاً عما تبقّى من وريقات "أوسلو" التاريخية.
على خلاف كُل التوقّعات بإمكانية قبول "العدو" شريكاً في "سلام"، كانت الصحافة القومية والإعلام العربي المدعوم من دول الممانعة مثل ليبيا والعراق، لا تشكّك فقط في النوايا الإسرائيلية، وإنما سعت إلى كشف المخطّط "الإمبريالي الصهيوني" لتركيع العرب وتخسيرهم قضيتهم المركزية وجعلها فلسطينية الشأن والمصير، فلم تكن اتفاقية "كامب ديفيد" في السبعينيّات بين مصر وإسرائيل بتوقيع "كارتر وبيغن والسادات" عاملاً مفصلياً لعملية سلام شاملة، وإنما توقّفت عند تحرير سيناء في مقابل الاعتراف بإسرائيل، كما لم يكن اتفاق "أوسلو" الموقّع في "واشنطن" في التسعينيّات بين "كلينتون ورابين وعرفات" سوى اعتراف "منظمة التحرير الفلسطينية" بدولة إسرائيل على مساحة 78% من الأراضي الفلسطينية، أي كل فلسطين باستثناء الضفة الغربية وقطاع غزّة المهدّدتيْن بالانفجار، وعلينا أن نتذكّر هنا فترة حصار الشهيد "ياسر عرفات" في مقر الرئاسة الفلسطينية في "رام الله" ثم قتله، وكأن الهدف الأساس من وهم "أوسلو" هو استدراج عرفات من تونس لقتله في رام الله!
كانت أخبار تلك المرحلة الحسّاسة في الثمانينيّات والتسعينيّات تتصدّر عناوين الصُّحف اليومية والمجلّات الأسبوعية، وكانت الصُّور فوق العناوين وتحتها تفضح المؤامرة على الأمة العربية في سباق مع الأحداث في مواجهة مكنات إعلام "الترويج" الموالية لإسرائيل في العواصم الغربية التي كانت تعجُّ بالمثقفين القوميين العرب من كُتّاب وصحفيين كانوا يتنقّلون بين بيروت ودمشق وطرابلس وبغداد، يضخّون الحبر العربي في مطابع نيقوسيا ولندن وباريس، قبل أن تجرفهم رياح الخليج في العاصفتيْن، لتسكت تلك الصحافة أمام "وابل المال المشبوه" الذي اشترى وباع في الصحافة والصحفيين، ولتجد تلك الأقلام "القومية" مصيبتها في أنظمتها التي راهنت على المُمكن الذي كُنّا نراهُ مستحيلاً، واليوم نجني جميعاً خسارتنا الفادحة لتلك المرحلة في عالم بات يخسر الحقيقة في حبر الصحافة الورقية لينحصر مع الزمن خلف قيود الصحافة الإلكترونية!



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»