Atwasat

الذي يسبق الكارثة

سالم العوكلي الثلاثاء 03 أكتوبر 2023, 02:39 مساء
سالم العوكلي

الجمعة 8 سبتمبر 2023: كنا في رحلة استجمام رفقة عائلة أقارب في شاليه يقع بمنطقة البقارة غرب شحات على سفح تلة بإطلالة واسعة تنفتح على وادٍ كثيف الغابة في مشهد زاخر بالجلال والجمال، وكان يومًا خريفيًا مشمسًا جعله المكان المحاط بالخضرة كأنه يوم ربيعي. ساعة الظهيرة تلبدت السماء فجأة بغيوم داكنة وداعبنا نسيم شمالي بارد، وفي الأفق الشمالي تفتقت الغيوم المتراكمة عن شخوب هابطة منها ما يشي بسقوط أمطار غزيرة، ومع الريح الغرب شمالية بدأت الأمطار تقترب منا، حتى وصلت إلى الوادي المقابل تسبقها رائحة الغابة المقرورة والتراب المبلل وصوت جلجلة المطر وهي تصفع أغصان الغابة، وكان المشهد من بدايته لا تنقصه سوى هذه المطر الدافئة ليكتمل جمال المشهد، خصوصًا بعد أن اختفى الوادي في سحاب ضباب كان يزحف صوبنا حتى غمرنا.

وبعد عشر دقائق توقف المطر الغزير الذي سال على أرضية الشرفة، وأشرقت الشمس من جديد بأشعة لاذعة وضوء أكثر نصاعة، ولمعت على ضفتي الوادي مرايا الصخر المبلل. وفجأة رأيت مشهدًا غريبًا، لم يسبق لي أن رأيته أنا الذي عشت حياتي الأولى في الخلاء والوديان والغابة، واختبرت شتاءات هائلة انهمر فيها المطر بغزارة وفاضت الوديان والشعاب: ألسنة من البخار الكثيف بدأت تتصاعد من الغابة كأنها أعمدة دخان، لدرجة أن البعض اعتقد بنشوب حريق في الغابة، واستغرب الجميع هذا المشهد الذي يشبه فعلًا حريقًا شب بعد المطر، ولأني المعني في تلك اللحظة بكوني الخبير في مثل هذه الظواهر من منطلق اختصاصي ومعيشتي الأولى، توجهت الأنظار صوبي وكأنها تسألني ماذا يحدث؟ وفعلًا كنت مرتبكًا تجاه ما يحدث، فأجبت وأنا أحاول أن أفكر بصوت عالٍ: ربما لأن الأرض ساخنة تبخر الماء الدافيء الذي انهمر عليها منذ قليل مثلما يتبخر من على صفيح ساخن، وقلت دون أن أكون متأكدًا: يبدو أنها علامة على التغير المناخي.

السبت 9 سبتمبر 2023: كنا قد عدنا إلى بيتنا في كرسة، وبدأت بتقصي أخبار الإعصار دانيال في بعض مواقع الرصد والاستشعار، والمتوقع بشواطيء شرق ليبيا، بعد أن ضرب بلغاريا واليونان وجنوب تركيا، وتسبب في تشريد الكثيرين وخسائر بالمليارات، وحقيقة لم أكن أتصور ما سيتمخض عنه حين يمر بنا أو قربنا، فلم يسبق لنا أن اختبرنا أعاصير بهذه القوة التي تعتبر متوسطة بالنسبة لمن يشهدون سنويًا أعاصير عاتية وفتاكة، واستعدوا لها بما يحول دون خسائر فادحة.

الأحد 10 سبتمبر: صحوت الساعة العاشرة صباحًا وألقيت نظرة من النافذة الواسعة المطلة على البحر، وتفاجأت أيضًا بمشهد غريب للبحر؛ حيث تغير لونه الأزرق إلى لون داكن يقترب من السواد بينما حركة الأمواج مضطربة ويصعب تحديد اتجاهها، وبعد قليل اختفى البحر وكأن السماء أطبقت على الشاطيء بضباب كثيف يشي بمدى كمية التبخر الناتجة عن سخونة البحر واليابسة والتي ستتحول إلى غيوم تحوي عشرات الملايين من أطنان الماء الجاهزة للانهمار على الجبل وأوديته.

انطلاقًا من بعض المخاوف المجربة، وخبرتي بعواصف مطرية سابقة تسببت في فيضانات مائية، ذهبت مساء الأحد إلى درنة التي تبعد عن القرية 20 كم لشراء مولد كهرباء وبعض التموين الكافي لعدة أيام، لأني تصورت أن هذه العاصفة ستتسبب كالعادة في قطع الطريق بين القرية والمدينة، وفي انقطاع التيار الكهربائي لأيام متلاحقة كما يحدث عادة. قبيل غروب الشمس ذهبت إلى الصديق الفنان محمد امنينة في مقر (تاسيلي للفنون البصرية) حيث غالبًا ما أقضي وقتي في ذاك البراح الملون الذي تهطل فيه الموسيقى لأربع وعشرين ساعة كل يوم، ويتسكع هناك قرابة عشرين قطًا من أعمار وأجناس مختلفة؛ حيث ولع صديق محمد بتربية القطط والعناية بها، وفي الشوارع المزدحمة كنت أمر بسيارات تابعة للأمن أو الجيش أو الهلال الأحمر تطلب عبر مكبرات الصوت من الناس الإخلاء، وكما رنت نغمة رسالة في موبيلي أتوقعها تنبيهًا بالإخلاء، ولكني لا أجد سوى رسائل دعائية مفادها (اتصل بالرقم التالي واحصل على كذا) رنات أو نغمات أو أدعية أو تخفيضات رقمية، أو إعلان عن تطوير الشبكات في الزنتان أو الجفرة، وطبعًا هذا ليس ذنب هذه الشركات لأنها لا تعمم إعلانًا أو تحذيرًا إلا بطلب جهة مخولة.

في باحة تاسيلي تحدثت مع صديقي محمد امنينة عن الإعصار القادم الذي مازلنا لم نعرف بعد مدى خطورته، ومن باب المزاح اقترحت على صديقي الخائف على قططه أن يبني سفينة وينقلها فيها إذا ما حدث طوفان، ولأننا فعلًا لم نقدر مستوى الخطورة القادم لم تلح لنا فكرة نقل تقنيات تاسيلي للفنون البصرية من كمبيوترات وكاميرات وأقراص صلبة ودرون للتصوير الجوي، وغيرها من لزوم التصوير والمونتاج والإخراج، إلى الطابق الثاني، والتي كلها غمرها الماء والوحل.

الساعة التاسعة والنصف ليلًا اتصل بي ابني سراج ليبلغني أن قرار منع التجول سيبدأ الساعة العاشرة، فانطلقت إلى بيتي في كرسة حيث بدأت أمطار متوسطة بالسقوط، وقبيل الساعة الحادية عشرة اشتدت الرياح وغزارة الماء ولم تعد مطرًا نعرفه ولكن كأنها سيول تهبط من السماء، وأيضًا لأول مرة يلف اتجاه المطر حول البيت في ساعة واحدة؛ حيث بدأت أمطار جنوب شرقية، ثم شرقية، ثم شمالية ما تسبب في تدفق الماء من النافذة الواسعة المطلة على البحر، ومن الباب الرئيسي إلى داخل البيت، ثم أمطار غربية، ما بيّن أن هذه الأمطار إعصارية، وأن دوائر الإعصار البعيدة عن مركزه هي ما تصنع هذه الدوامة المطرية، وبعد ساعة تدفق الماء بقوة إلى الكاراج الواقع ضمن منسوب البيت وإلى القبو الذي أخزن به بعض كتبي والذي اتخذته لفترة مكانًا للكتابة، بينما كانت الرياح الشديدة تهز زجاج النافذة الواسعة فيُحدث صريرًا مفزعًا ما جعلنا نلوذ بغرفة داخلية خوفًا من تهشم الزجاج.

الاثنين 11 سبتمبر: صحوت الساعة الحادية عشرة بعد قضاء الليل حتى الفجر في تنظيف المياه التي دخلت إلى البيت ورفع الفرش وبعض الأثاث، ومع زوجتي وجدت هند بنت صديقي رجب التي وصلت الساعة العاشرة صباحًا، والتي كانت في عمل ضمن منظمة مدنية في مصراتة، ومع أخبار الإعصار قطعت مهمتها وعادت عبر مطار بنغازي ثم عبر البر، وحين وصلت إلى مدخل درنة الغربي وجد سائق الأجرة أن جسر وادي الناقة انهار كليًا وانقطعت الطريق إلى درنة، ولم تجد هند التي عرض عليها أن يعود بها إلى بنغازي إلا فكرة أن يوصلها إلى بيتنا لتبقى قريبة من أسرتها القلقة عليها، خصوصًا أن الاتصالات كافة انقطعت تمامًا مثلما انقطعت كل الطرق تقريبًا إلى درنة. وفي طريقها التقطت هند صورة للجسر المنهار في وادي الناقة، وهنا أدركت خطورة هذا الإعصار على درنة التي ينهمر إليها الماء من الأودية وسفوح الجبال الجنوبية؛ حيث كل ما شكل جمال وخصوصية مدينة درنة كانت السبب في الكارثة. في اليوم التالي علمت بأن طريق ظهر الحمر مازالت صالحة وهي الطريق الوحيدة المؤدية إلى درنة، ومن أجل أن أوصل هند إلى عائلتها المشغولة عليها حيث يعلمون بانطلاقها من بنغازي ولم تصل حتى هذا الوقت، وأيضًا من أجل أن تطمئن على درنة وأسرتها، ذهبنا جميعًا بسيارتين نحو القبة ثم رجوعًا مع طريق ظهر الحمر صوب درنة، قاطعين نحو 120 كم إلى درنة التي تبعد عنا 20 كم فقط.

وحين وصلنا إلى الطريق الجبلي المطل على درنة، ركنا السيارتين ونزلنا، ومن هناك شاهدنا مدينة لا نعرفها، وأدركنا حجم الكارثة، اختفت العمارات المطلة على الوادي، وتحولت درنة البلاد والجبيلة إلى بركة من الوحل تتخللها مبان متهالكة وفراغات بنية من الوحل، وحين أدركنا هول الفاجعة انهمرت دموعنا بين نحيب مسموع وبكاء صامت. وكل بيت مررنا به في درنة الناجية للاطمئنان، كنا نجد فيه مأتمًا حتى لمن لم يفقد قريبًا، لأنه كما كتبت فيروز العوكلي «درنة كلها تعرف بعضها. لم أتخيل أن تقصم هذه العبارة يومًا ظهورنا».

أعود الآن، لأدرك أن ما حكيت عنه من جمال غمرنا في نزهتنا في ذاك الوادي غرب شحات قبل يومين من الإعصار، كان مقدمة لكارثة سوف نذكرها ما حيينا وتذكرها الأجيال القادمة، وأن أعمدة البخار الصاعدة من الغابة واتصال البحر بالسماء بغلالة من البخار الكثيف، المشاهد التي أراها لأول مرة، كانت مقدمة لعاصفة مطرية غيرت من معالم الجبل الأخضر وملامحه ووديانه التي بقدم الزمن.

«دانيال عاصفة شبيهة بالإعصار تحدث في البحر المتوسط، ترافقها رياح حلزونية تتشكل بسبب الموجة الاستوائية المدارية قبالة المحيط الأطلسي، وتم التعرف على هذه الظاهرة أول مرة في الثمانينيات. في سبتمبر/أيلول 2023 ضربت عاصفة شبيهة بالإعصار اليونان فأطلقت الأرصاد الجوية اليونانية عليها اسم (دانيال) على أمل أن يكون خفيفًا كما الأعاصير التي حملت نفس الاسم من قبل. إلا أنه تحول إلى إعصار شديد لا سيما مع وصوله إلى ليبيا حتى صنّف واحدًا من أقوى الأعاصير الممطرة وأشدها في آخر 100 عام. ويعد أحد أشكال التغير المناخي المرعب الذي يضرب العالم وتزداد ضراوته عامًا بعد عام». من الموسوعة/ ليبيا.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»