في زمن مضى، كانت إدارة المطبعة الحكومية بطرابلس، الواقعة بالقرب من المجمع الرياضي، توفر لتراً من الحليب الطازج لكل عامل بها يومياً. التخصيص، في الأصل، كان موجها طبياً للعاملين وللفنيين في قسم التصفيف، لتخفيف تأثير غبار مادة الرصاص، المصنوعة منها الحروف، على أجهزتهم التنفسية وحمايتهم من الإصابة بأمراض الصدر. أي أن شرب فنيي التصفيف للحليب يومياً، كان ضرورة طبية لوقايتهم. لكن لأن المطبعة حكومية، اختارت أن توزع الحليب على جميع العاملين بها، عملاً بالمثل القائل «زيادة الخير خيرين».
هناك أعراض جانبية مرضياً محتملة، في كل مهنة تقريباً. بعض تلك الأعراض مرئية ومعروفة، تصيب البدن بأمراض، مما يتوجب على المؤسسات والشركات المعنية قانوناً تلافيها، بتوفير الحماية للعاملين من أدوات وملابس واقية، ومنحهم مزايا مالية، وعناية طبية دورية. وبعضها الآخر غير مرئية، نفسية، ولا يتقاضى العاملون بها مزايا مالية، ولا توفر لهم المؤسسات والشركات التي يعملون بها حماية أو وقاية طبية. وهي المقصودة في هذه السطور، لأننا نتناول الأعراض الجانبية للعاملين في مجال الإعلام، وخاصة في قطاع الأخبار، وخصوصاً منهم كُتَّاب التحليلات والتعليقات السياسية، في الصحف الورقية، أو في القنوات التلفزيونية، والإذاعات أو في المواقع الإلكترونية.
الجدير بالتذكير أن الأعراض الجانبية النفسية وغير المرئية، قد لا تكون دائماً سلبية، بل من الممكن أن تكون إيجابية وسلبية في آن معاً.
لنبدأ بالأعراض الجانبية الإيجابية، من واقع تجربة شخصية. كتَّاب المقالات والزوايا اليومية والأسبوعية، ممن يتعاملون بالرصد والمتابعة والتحليل والتعليق على قضايا سياسية محلية وعربية ودولية، أعتبرهم شخصياً فئة محظوظة مقارنة بغيرهم. حُسن حظوظهم نابع من حقيقة أنهم حاضرون في كل عُرس أو مأتم محلياً أو دولياً. فهم منذ أن يفتحوا عيونهم صباحاً إلى أن يعودوا إلى أسرتهم، لا يتوقفون عن متابعة ما يحدث في العالم من شؤون وتغيّرات. تلك الطبيعة المهنية قد تمنح المرء منهم أحياناً شعوراً بالاختلاف، وإحساساً بأنه إنسان عالمي. بمعنى، أن وجوده في نقطة ما، على الخريطة الجغرافية للعالم الأرضي، لم يقف حاجزاً يحول بينه وبين التواجد في أقصى مناطق ونقاط الأرض، يشارك البشر فيها أفراحهم وأتراحهم.
ويسعى إلى نقلها إلى غيرهم من البشر المتواجدين في نفس النقطة الجغرافية المتواجد بها. وهذا واحد من أعراض جانبية نفسية إيجابية غير مرئية. وبالتأكيد، توجد أمثلة أخرى، لا تحضرني حالياً.
الأعراض الجانبية السلبية عديدة. وهي، في وجهة نظري، خطيرة. ومنبع خطورتها ناجم عن تأثيراتها النفسية المتعددة. وعلى سبيل المثال، نحن نعرف وندرك أن ما يصلنا من أخبار يومياً، لا يحمل إلا نادراً أخباراً مفرحة. هذا السيل من أخبار الكوارث والمصائب، دفع يوماً ما، أحد كبار الصحفيين البريطانيين، في سنوات مضت، إلى المطالبة بضرورة التدخل، وإحداث تغيير في نقل الأخبار بالتركيز على نقل وسائل الإعلام للأخبار الإيجابية والمفرحة. لكن تلك الصرخة تلاشت سريعاً في الفضاء.
وهذا يعني أن الحروب والحرائق والزلازل والبراكين والمصائب والكوارث ما زالت تأتينا تباعاً، عبر وسائل الإعلام. وهي أخبار محزنة ومؤسفة ومقلقة ومزعجة، وتعكر صفاء المزاج النفسي، وأغلبها باعث على السخط والغضب. وبالنسبة لغير العاملين في قطاع الأخبار من الممكن لهم تجاهلها، بالانشغال عنها بأمور أخرى، والابتعاد عن سماع ومشاهدة نشرات الأخبار، وقراءة الصحف. لكن كتَّاب التحليلات والتعليقات السياسية لا يمكنهم التمتع بذلك الترف.
وبالتالي، ليس صعباً ملاحظة تأثيرات تلك الأحداث العالمية المحزنة عليهم. فهم، على وجه الإجمال، بعد سنوات من العمل المتواصل، نجد أغلبهم يتّسمون بنظرات سوداوية، ويرون الحياة من خلال عدستي نظارة سوداء. ويميلون إلى التشاؤم، والتشكيك في كل بقعة ضوء ممكن أن تظهر فجأة في عتمة الأحداث. ومع مرور الزمن، يقع بعضهم فريسة سهلة للإصابة بكآبة شديدة، والميل إلى الوحدة. لعلمهم المسبق أنهم ليس بمستطاعهم، ولو قليلاً، التدخل بتخفيف الألم، أو إيقاف الكوارث. وقد يشعر بعضهم، في بعض الأحيان، بعقدة الذنب، كونهم يشاركون في نقل وانتشار الأخبار المحزنة!
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات