Atwasat

أراء مستنسخة

صالح الحاراتي الخميس 03 أغسطس 2023, 10:38 صباحا
صالح الحاراتي

في أحيان كثيرة، وبملاحظة ما ينشره أهل الكتابة فى كافة الوسائط، نلاحظ ندرة الرأي المتفرّد الخارج عن سياق المنظومة الثقافية السائدة، حتى صارت الآراء وكأنها «رأياً واحدا مستنسخاً» فيما يشبه الأكليشهات، ودون أي تنوع يُذكر ولا أفكار مستنيرة تستحق التدبر، باسثتناء بعض الإضاءات الخجولة..

ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي تطور الأمر إلى المزيد من التسطيح، وصار الشغل الشاغل للكثيرين هو الخروج برأيٍ يكون شعبياً ومتناسقاً مع رأي عموم الناس وحسب منظومتهم الثقافية السائدة، دون إبداء الكاتب لرأيٍ جديدٍ جريءٍ ومتفردٍ حسب رؤيته وتصوره أو كما هو مقتنع به، أي أصبح «الخطاب الشعبوي» هو الأكثر حضوراً.. وهو خطاب مُبهَم وعاطفي، لا يعتمد الأفكار والرؤى، بل يميل إلى الإثارة ودغدغة المشاعر، ليتماشى تماماً أو يتطابق مع المزاج الجمعي السائد، دون أن ينحو إلى التعامل الجدّي والمسؤول مع مشكلات الواقع أومحاولة تقديم الحلول لها.. خطاب شعارات فضفاضة وأضغاث أحلام وحشو كلام تسانده المحسنات البلاغية دونما تأصيل، مع التركيز على وردية الحلم وتبسيط الأمور، واستدعاء بعض وقائع التاريخ كوسيلةٍ لخلق حالة النوستالجيا المرضية..

كل ذلك لأجل التماهى مع السائد وحصداً للإعجاب. وبسبب ذلك وغيره نجد مجتمعاً مستنسخاً فكرياً، فالكل أو الأغلبية يؤمنون بنفس الفكر ولو طرح أحد أسئلة استيضاحية - وهو أمر نادر- لأدانوه وهاجموه واتهموه بأبشع التهم في نيته وأهدافه حتى لو كانت مجرد أسئلة استفهامية وليست تشكيكية.

لي أصدقاء كثر.. مروا بمرحلة الغوص فى «مسالك التدين» شكلاً ومضموناً وربما حركياً وتنظيمياً، مضى بنا قطار العمر وانقضت السنين.. وخاض كل منا تجربته الحياتية.. ومعها تغيرت لدي ولديهم بعض القناعات والرؤى والمفاهيم، كأمر طبيعى نتيجة تغير الأحوال ومعطيات الواقع وتراكم المعرفة والتجربة.. حين نلتقي ونتحاور حول مسألة ما.. نجد تنوعاً ظاهرياً فى ردات الفعل الناتجة عن قناعاتنا الحالية، وهو أمر طبيعى، ولكن نكتشف أن ذلك التغيير في مجمله ليس إﻻ تغييراً سطحياً بينما ﻻ تزال «سوسة» استعلاء الإيمان تفعل فعلها رغم تصريح صاحبها بأنه تجاوز المنهج والفكر الذى كان عليه.. والحقيقة أنه ﻻ يزال يمارس الميل إلى الموروث بشكل عاطفى، وﻻ يزال نمط التفكير لديه يكابد للخروج من أسر الماضى.. حتى زادت قناعتى بأن تغيير ما رسخ عميقاً فى العقول مسألة جد صعبة، وألتمس العذر لصاحبه، بل قد نجد عذراً للرأي المستنسخ فربما كان ذلك لأن الخروج من عباءة القطيع مسألة محفوفة بالمخاطر..

وبمراجعة التاريخ قديمه وحديثه نجد أن اﻻستقلالية الفكرية فى مجتمع متخلف أمر فى غاية الصعوبة، وربما ﻻ يستطيع الإنسان فعل ذلك دون عقاب!

وفى هذا السياق أستحضر أيضاً ما قاله د. فؤاد زكريا فى كتابه التفكير العلمى: «إن جموع الناس تبحث عادة عن الأسهل والمريح وتتجمع سوياً حول الرأي الواحد مثلما تتلاصق أسراب الطيور لتحمي نفسها من الصقيع، وكلما كان الرأي منتشراً ومألوفاً، كان في انتشاره نوع ما من الحماية لصاحبه، ويطمئن بأنه يستظل تحت سقف الأغلبية، أما إحساس المرء بأنه منفرد برأيٍ جديدٍ وبأنه يطأ أرضاً لم تطأها قدمٌ أخرى من قبل يتعين عليه أن يخوض معركة مع الأغلبية كي يحمي فكرته الوليدة، فهذا الإحساس لا يقدر عليه إلا القليلون، وعلي يد هؤلاء حققت البشريه أعظم إنجازاتها».

الشاهد.. قد نقرأ كلاماً منمقاً ويصف الواقع متشبهاً بنص «أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً».. أو أن نعثر على توصيفٍ نكديٍ ومرثيةٍ بكائيةٍ لا تغيب صورتها؛ كل ذلك دون تقديم رؤية أو أفكار إيجابية للتفاعل مع الواقع؛ فى وقت يعاني الناس فيه من عوز الأفكار وقلة الحيلة..

نعم حرية واستقلالية التفكير قد تكون صادمة للعقل الجمعى وبديهياته ومسلّماته، ولكنها ضرورة فى غاية الأهمية، وبدونها لا نستطيع تغيير الواقع.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»