Atwasat

لجنة الـ75: مرآة للواقع الليبي

سراج العزابي الأحد 14 نوفمبر 2021, 09:42 صباحا
سراج العزابي

بعيدًا عن التحليل الدولي والإقليمي للأزمة الليبية، فما قامت به هذه اللجنة محليا أو وطنيا ما هو إلا صنيعة يدي ساسة ومدونين ونشطاء وقادة مناطق ومجتمعات وأيضا كُتَّاب وإعلاميين، عبرت بامتياز عن حالة الانقسام والاحتراب والتخبط التي تعانيها ليبيا منذ أعوام.

نجحت هذه اللجنة بالدعم الأممي في إيقاف الحرب وتحويل دفة الصراع إلى طاولة المفاوضات بين مختلف التيارات دون ذخائر حية قد تصيب المواطن البسيط الذي لم يستطع فهم التركيبة المعقدة لفن الممكن في ليبيا ولا يمارسه.

عانت هذه اللجنة شبهة الفساد كما تعاني كل مؤسسات الدولة وأرهقها الصراع السياسي كما أرهق الليبيين. تميزت بأن احتوت الصراع عموديًا داخل أروقتها بعد أن كان أفقيًا داميًا بين أفراد المجتمع، حيث استطاع المواطن الليبي تنفس الصعداء لأشهر دون خلافات حادة ومسلحة بين شرائح نسيجه الاجتماعي.

تمخضت عنها حكومة مثَّلت قوة سياسية جديدة لها ما لها وعليها ما عليها، وأنتجت أيضًا مناخًا شبه ديمقراطي بعودة الحياة السياسية تدريجيًا بأن رأينا عددًا لا بأس به من المكونات الليبية قد شكلت عشرات التيارات السياسية. وهو مؤشر إيجابي لوعي بعض النخب بنقلهم الصراع من الشارع إلى قبة نواب جديدة من خلال انتخابات مقبلة.

إلا أنها لم تفكك الألغام الحقيقية التي يعاني منها المناخ السياسي الليبي ونتج عنه انسداد لأعوام.

ـ لم تنتج اللجنة قاعدة دستورية تؤطر المرحلة المقبلة، فوجود الانتخابات وعدمها سواء؛ فالقادم مجهول. فمن سيفوز سيجد نفسه مضطرًا لوضع قواعد جديدة وإطار دستوري جديد وسيلغي المعارضة ويقصيها وقد ينتج عن هذا الإقصاء تكميم للأفواه وسجون سياسية؛ إذا لم تكن حرب جديدة محاورها هو الفائز في الانتخابات والمعترض على نتائجها، هذا ما اعتدناه من سياسيي المنطقة.

فكل ما قدمته اللجنة هو اقتراحها لحكومة للبرلمان الذي منحها بدوره الثقة ولم يعتمد هذا الأخير مخرجاتها وخارطة الطريق التي حاولت إنتاجها.

ـ لم تضع حلولًا جذرية لمعضلة القائد العام للجيش الليبي التي أصبحت كأحجية البيضة والدجاجة، فهذه المعضلة أنتجت الانقسام الأمني الذي يعبر عن صميم الأزمة. إلا أنه يجب الإشارة إلى أن جهود لجنة الـ«5+5» مضنية وجيدة ولكن تظل محدودة، فالرؤساء الخمسين لم يتوافقوا بعد.

ـ اتفاق الصخيرات الذي يعتبر الوثيقة التي انبثقت عنها اللجنة لا تزال محل شك؛ فالبرلمان لا يزال يقلل من شرعيتها ولا يعير ما تحتويه اهتمامًا. عليه فإن شرعية الأمر الواقع لا تزال هي الحاكم الفعلي.

ـ والأهم من كل ما سبق هو الإغلاق الكارثي للدائرة الدستورية، فهذا الإغلاق هو ما جعل كل الأجسام السياسية الحالية دون شرعية فاضطرهم ذلك إلى اللجوء إلى السلاح وفرض إرادتهم بالقوة، مما نتج عنه انقسام حاد مايزال في ازدياد حثيث. فلم يُفصل أي خلاف بشكل قضائي بعد. إضافة إلى الخوف من استخدام هذه الدائرة كذخيرة سياسية بين الخصوم؛ حيث قد تصيبها شبهة محاباة تيار سياسي بعينه، وهو أمر خطير قد يأخذنا إلى منزلق الطعن في نزاهة وحيادية القضاء.

نقولها متأسفين، فشلت لجنة الـ75 نتيجة لفشلنا كمكونات فلم نزودها بسلام حقيقي على الأرض، فشلت في إنتاج توافق وقاعدة دستورية للمرحلة المقبلة. نقولها بمرارة. آمل أن نرى انتخابات 24 ديسمبر، ولكن المجهول الذي يليها مرعب في ظل المعطيات وتصريحات القوى السياسية.

فنحن مقبلون عليها دون الحد الأدنى من النوايا الحسنة لقبول نتائجها. فمن سيفوز سيلغي الآخر ومن سيخسر سيهاجم ويطعن الفائز. وبالتالي تجدد الانقسام.

الإيجابي في كل هذا المشهد هو عودة القوى السياسية الناعمة من أحزاب وتيارات ومجتمع مدني للمشهد، علهم يتمكنون من تخفيف الانقسام والمعاناة القادمين إذا حدثا.

يجب علينا العودة وبشكل سريع إلى طاولة الحوار، فلن نتفاءل بإنتاج خارطة طريق ولكن من الممكن إنتاج قانون انتخابات توافقي يرضي حملة السلاح قبل حملة الأقلام.

وظيفة النخب التي تم ذكرها في مطلع المقال هي الضغط علي مجلسي النواب والدولة، لإنتاج توافق حقيقي بغض النظر عن انتماءاتهم لأي من التيارات والقوى السياسية التي يمثلونها، فالمغالبة لن تنتج إلا معاناة للمواطن في ظل انتشار السلاح. فهذا التوافق هو الذي تحتاجه ليبيا وبالتالي الانتخابات ستصبح نتيجة و"تحصيل حاصل".

وأخيرًا، يجب التنويه إلى أن ما يحدث وحدث بين أطراف الأزمة الرئيسية ليس بسلام ولا توافق ولا حتى اتفاق، هو فقط هدنة والتقاط للأنفاس، فالقادم مجهول وحملة السلاح لا يزالون يُعدون. فلن يكون هناك منتصر بالمعطيات الحالية ولو بنجاح الانتخابات، إذا لم يسبقها توافق بين المتحاربين.

ديمقراطية دون معارضة هي ديمقراطية مزيفة، والمعارضة تحتاج إلى قوانين تحميها، وسلام دون توافق، ما هو إلا تدوير للأزمة.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»