Atwasat

هدنة، وليست اتفاق سلام

سراج العزابي الثلاثاء 30 مارس 2021, 02:58 مساء
سراج العزابي

عشر سنوات مرت من صراع، استخدمت ووظفت فيه كل أنواع الأسلحة، سواء كانت عسكرية أو إعلامية أو اجتماعية. لم يفز أي من الأطراف المتناحرة إلى الآن. بل إن الصراع انتقل ليصل إلى النسيج الاجتماعي واتسعت رقعته حتى طال كل المكونات الليبية، سواء كانت مناطقية، قبلية، عرقية، دينية، أم سياسية الكل أخذ نصيبه من هذا الصراع بشكل أو بآخر، وكل ليبي الآن يعاني من مخلفات الحرب، حتي لو كانت إقامته في صحراء سيبيريا الثلجية ويبعد عن ليبيا آلاف الكيلومترات. فطالما كان هذا الشخص ليبيا فإن مخلفات الحروب السابقة ستؤثر به ولو بحدها الأدنى، نفسيا أو اجتماعيا.

فخطابات الكراهية التي ازدادت وتيرتها بين كل الأطراف لم تعد تخفى عن أحد. فبمتابعة المشهد الحالي بشيء من العقلانية والتحليل سنرى أن كل هذه الخطابات قد تجاوزت في استخدامها النخب المتصارعة والمتصدرة للمشهد. بل وصلت للأسف للبطن الرخوة بالمجتمع المتمثلة في طبقته الوسطى التي تعد الحصن الاقتصادي والثقافي المنيع ضد أي تهديد يمس السلم الاجتماعي للكيان الليبي. حيث إنها وصلت في سلبيتها إلى أساتذة الجامعات والمدارس والمثقفين والكتاب، بل وحتى بين الطلاب والتلاميذ.

نعلم جيدا أن هذا التشخيص قد يؤخذ عليه أنه مليء بالإحباط وقد يعترينا الخوف من نتائج القبول به، ولكن ما حدث ويحدث الآن لا يمكن تعليق المسؤولية فيه على النخب وقادة القرار السياسي فقط.

فقد حان الوقت لنا كمجتمع ليبي أن نواجه واقعنا بإنصاف. فرغم كل ما حدث لازالت لدينا فرصة لترميم الشروخ التي أصابت نسيجنا الاجتماعي وتضميد جراحنا كي نترك وطناً متماسكا للأجيال القادمة. أما وضع رؤوسنا بالرمل وصم آذاننا والقول إن هذه معركة سياسية ولا دخل لعامة الناس بها فهذا قول قد تجاوزته الأحداث للأسف ويعد تفاؤلا في غير محله، ولن ينتج عنه إلا هروب إلى الأمام وتصدير للأزمة وليس تفكيكا وإصلاحا لها.

صحيح أن للإرادة الدولية والإقليمية "المتذبذبة" علاقة مباشرة بأزمتنا الحالية ودون الخوض في تفاصيلها، لا يمكن إنكار أن المناخ السياسي الآن دوليا كان أم محليا، ملائم لتحريك عجلة الاقتصاد وعودة الحياة تدريجيا. ولكن العجلة ودواليب الحياة تحتاج إلى عمل مضنٍ حتي تستمر في الدوران.

ولنجاح أي مسار يدعو للاستقرار يجب علينا كمجتمع بكل مكوناتنا أخذ نصيبنا من المسؤولية والدفع بما يساعد على تقدم أي عملية سلام، ليس برفع الأعلام البيضاء فقط، بل ودعمها بحلول تلقى قبولا لدى كل الأطراف والابتعاد عن التخوين.

فرغم رضوخ الأطراف السياسية والعسكرية للإرادة الدولية التي أتاحت لهم الجلوس على طاولة المفاوضات فإن هذا الرضوخ له أسباب دولية ومحلية. فالكل أرهقتهم الحرب ووصلت حدة الصراع قمته. والآن كل هذه الأطراف في مرحلة مهادنة والتقاط الأنفاس، فالطاقة البشرية للحروب محدودة في ليبيا وتدفق السلاح والذخائر دوليا وإقليميا لم يعد هينا. إضافة إلى أن مسألة المقاتلين الأجانب رغم سلبياتها كانت عاملا إيجابيا للمهادنة الدولية، وبالتالي توقف الاقتتال.

رغم العبارات التفاؤلية التي تتردد على مسامعنا هذه الأيام، "اتفاق سلام".. "رحلة السلام".. "إعلام السلام" وغيره من العبارات التي سادت الأجواء الحالية. إلا أن ما يحدث بين الأطراف الرئيسية في الصراع لا يعكس ذلك، بل يمكن تصنيفه بأنه مهادنة وليس سلاما.

فاتفاقات السلام، كما هو متعارف عليه دوليا، يغلب فيها طابع تقديم التنازلات وتوقيع الاطراف، لا المحاصصة والابتزاز. فكما رأينا رئيس حكومة الوحدة الوطنية أقر في جلسة منح الثقة بأن المحاصصة موجودة ولا خيار أمامنا إلا قبولها حتى تعود حركة الحياة تدريجيا. فالكل لازال متمترساً بمنصبه ووسط حاشيته، أما القول بخروج حكومتا الوفاق والمؤقتة من المشهد الحالي، فرغم اعتباره شيئا محمودا، إلا أن الكل يعلم أنهم ليسوا من الأذرع الرئيسية للصراع. فخروجهم من عدمه لن يؤثر إيجابيا بشكل مباشر على صميم الخلاف.

فكل ما حدث الآن كإجراء حقيقي هو منح الثقة لحكومة تمثل كل الأقاليم الليبية و لجنة 5+5 التي تمثل خطوط التماس العسكرية ومبادرات سلمية هنا وهناك. ولكن لا توجد ضمانات حقيقية وواضحة المعالم للمرحلة القادمة.

فلجنة الـ 75 تعاني من عدم وضوح في الشرعية. فقد تشكلت بضغط دولي لحث الأطراف على تحريك عجلة السياسة، فالطريق المسدود لن يخدم أيا جزء من فسيفساء الأزمة الليبية دوليا ومحليا. ولكن تبقى شرعية هذه اللجنة ناقصة والرهان على الطعن في مخرجاتها يبقى واردا.
بدون الخوض في التفاصيل القانونية للمجريات، يجب أن نعي أنه لازال أمامنا بعض من الألغام التي وضعت عمدا أو سهوا أو تم التغاضي عنها وهي:
* تضمين الأجسام الجديدة بالإعلان الدستوري.
• وجود خارطة طريق واضحة تضمن إجراء انتخابات ديسمبر.
* الاتفاق السياسي "الصخيرات" لازال محل شك في قانونيته، فالبرلمان منقسم حول شرعيته.
* كيف سيتم التعامل مع أحجية منصب القائد العام للجيش الليبي؟ فرغم أن المجلس الرئاسي الجديد يملك هذه الصلاحية في الظاهر إلا أن حدوث أي صدام مستقبلي مع رئيس البرلمان أو الرجمة يوحي بنتيجة استخدام ورقة عدم دستورية المجلس الرئاسي الجديد، فالبرلمان لم يمنح الأخير أي شرعية، وبإمكانه القول أنه لازال هو القائد العام للجيش.* وفي الجانب الآخر، هناك ذخيرة سياسية مخفية، وهي ما يتم تداوله الآن من تلويح بفتح الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في هذا التوقيت. إذ يمكن فهمه على أنه ورقة تهديد سياسي من قبل التشكيلات الموجودة في غرب البلاد، أي قد يتم الطعن بعدم دستورية هذه الأجسام الجديدة من حكومة وحدة ومجلس رئاسي، في أي مرحلة تتقاطع فيها المصالح مستقبلا.

مما لا شك فيه أن التركة ازدادت ثقلا في عهد حكومة الوحدة الوطنية ومجلسها الرئاسي وهم الآن يسيرون وسط حقل مليء بالألغام والابتزاز. فلازالت البنادق موجهة والسواتر الترابية قائمة حتى لو أزيلت في ساحات القتال فهي مازالت قائمة بالأذهان. فالخارطة لم تكتمل بعد ومجلس الأمن لم يصدر قرارا يضمن أي مسار أو جسم من الأجسام الحالية بداية من لجنة الـ 75 ونهاية بالمجلس الرئاسي وحكومة الوحدة.

إن القول بأن الأزمة الليبية تحتاج إلى حلول قانونية و أمر تفاؤلي وتسطيح لمعاناتنا، فبالإمكان الذهاب إلى اي مستشار قانوني يمنحنا وصفة قانونية. ولكن ما نعانيه حقيقة هو فقدان الإرادة السياسية لإيجاد الحلول، مما ترتب عليه تدوير الأزمة من قبل أطراف الصراع. يحدث هذا في ظل أزمة النخبة المتأرجحة في أغلبها بين الطمع والتخوين، وبالتالي فشلها في تصحيح أي تعثر يصدر عن السلطة الحاكمة باصطفافها الحاد بما لا يخدم مصلحة المواطن في كل أنحاء البلاد. عليه فإن غياب الإرادة المحلية لإيجاد الحلول هي صميم الأزمة، وما القانون إلا أداة يمكن استخدامها إيجابيا لخدمة المصلحة العامة أو سلبيا لتلبية مصالح خاصة.
إن التعويل على رفع الأعلام البيضاء، ورحلات السلام و "التحتحيت علي ما فات" لم يعد يؤتي ثماره في مجتمعنا للأسف، رغم الباعث الطيب في ما ذكر تاريخيا واجتماعيا. فقد توفر مثل هذه المبادرات والعبارات السلمية نوعا من الأجواء الطيبة للحوار والمباحثات. ولكن الأزمة وصلت في شدتها لعمق الأسرة الليبية وأصبحت أصوات المطالبة بالعدالة والمحاسبة وجبر الضرر عالية جدا ولا يمكن التغاضي عنها، فانعدام المحاسبة طيلة السنوات الماضية أثقلت ظهر المواطن حتي ضاقت مساحة التسامح في داخله.
العقل الليبي لم يعد ذلك العقل الصحراوي البسيط الذي كان ينتقل من حالة الغضب إلى السكون بسرعة البرق. فما بين الحرب والسلام لم تعد عبارة الملك رحمه الله "حتحات علي ما فات" مؤثرة كسابق عهدها، فالزمن وتوالي الحروب إضافة إلى انتشار المعلومات والتقنية كان له أثره الملحوظ.
عليه، يجب أن تملأ المسافة بين الحرب والسلم بالعديد من المحطات ونحن الآن في محطة الهدنة وتوحيد المؤسسات. لازال أمامنا محطات أخرى يجب أن نعمل عليها كأمة ليبية وكمجتمع ونخب وهي:

* ضمان توفير حد أدني من المحاسبة والعدالة وجبر الضرر، أقله بوضع خطوط عريضة حول مسألة الإفلات من العقاب.
• المطالبة بمسار سياسي بتواريخ واضحة تسهل متابعتها.
• كخيار، خروج قرار من مجلس الأمن يمنح الشرعية لمخرجات الـ 75 حتي تصبح صمام الأمان في حال تقاعست السلطات الحالية ولم توفِ بالتزام انتخابات ديسمبر.
• إطار دستوري توسع فيه دائرة التوافق، بفتح المواد الجدلية بمسودة الـ 2017 وتتعاون فيه اللجنة القانونية المنبثقة عن الـ 75 ولجنة صياغة الدستور ويضمن البرلمان اعتمادها.
* وأخيرا، تضمين ما ذكر إضافة إلى مخرجات الـ 75 والاتفاق السياسي "الصخيرات" بالإعلان الدستوري لنتجنب إخفاقات الماضي من احتمالية الطعن بعدم الشرعية، المتوقع حدوثه في أي لحظة بالمرحلة القادمة.

قد توحي هذه المطالب بنظرة تفاؤلية في حال تحققها، ولكن حتى لو لم نجد الآذان الصاغية لتنفيذها فعلى أقل تقدير بإمكاننا إظهار نوع من الوعي بما يحدث حولنا وإثبات أننا لسنا مغيبين أو مهللين.

ونتمنى في ذلك أن نصل لمصالحة حقيقية تعبر عن كل الفسيفساء الليبية وتصبح حجر الأساس للأجيال القادمة. وأن يحدث توافق ولو نخبوي يصلح لبناء سلام صحي وبيئة للعيش المشترك تجنبنا متلازمة تصدير الصراع التي ظلت تصاحبنا طيلة العشرية الماضية التي لم ينتج عنها إلا مهادنات وتغيير للاعبين دون وضع قواعد للعبة تمكن المجتمع من مراقبة سيرها.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»