في الأسبوع الأول من مارس لهذا العام، أقامت وزارة الداخلية، بمدينة بنغازي، المؤتمر الوطني الأول للسلامة المرورية، برعاية لوجستية من غرفة التجارة، ورعاية أكاديمية من مركز دراسات القانون والمجتمع جامعة بنغازي، وقد كشفت أوراقه العلمية ومناقشاته العملية جانبا كبيرا من أسباب تصدر ليبيا قائمة الدول الأعلى وفيات بسبب الحوادث المرورية؛ واقْترحت فيه حزمة من التدابير الضامنة للسلامة المرورية:
• فقد برزت أهمية وجوب اجتياز قائد المركبة الآلية لدورة قيادة من مدرسة متخصصة للتقدم لامتحان الحصول على رخصة القيادة، التي يجب ألا تمنح بالواسطة أو الرشوة، مع ضرورة تفعيل الفحص الطبي الدوري الشامل للسائقين. والتشديد على ضرورة معرفتهم بالعلامات المرورية وبقواعد السلوك أثناء القيادة، مثل: أهمية ربط حزام الأمان، التقيد بالسرعة المحددة، وعدم تجاوز الإشارة الضوئية، عدم استعمال الهاتف النقال سواء للمكالمات أو المعاملات السيبرانية، وعدم التجاوز من اليمين، وعدم القيادة حال التعاطي، وغيرها الكثير من الأخلاقيات المرورية.
• وسلط الضوء على ضرورة تقليص عدد ما تملكه كل عائلة من مركبات آلية، أو على الأقل تقليص ما يتحرك منها على الطريق العام، لمركبة آلية وحيدة. وأن يكون للمركبات الآلية مواقف متخصصة يلتزِم سائقوها باصطفافها فيها، ولا يجب أن يقتصر التفتيش المروري على لوحاتها المعدنية، وزجاجها المعتم؛ بل يشمل أيضا التأكد من احتوائها على: حقيبة إسعافات أولية، واسطوانة إطفاء حريق، وفحص فني وتأمين للمركبة. كما تبين أهمية إعداد منظومة ربط بين أقسام المرور لتسجيل المركبات الآلية. مع تعزيز الرقابة المرورية الميدانية للمركبات المخالفة. وعرضت أفكار كثيرة مثل: فرض ضريبة جمركية على السيارات المستوردة ومنع استيراد المستهلكة منها. والحد من ظاهرة البيع العشوائي للتالفة منها. رفع تكلفة الوقود من بين حلول الازدحام المروري، وإنشاء منظومة متطورة للنقل الحضري "الجماعي".
• وتبين وجوب إلزام الدولة بصيانة واستكمال وإنشاء شبكات الطرق وفقاً لمعايير التصميم والتخطيط الهندسي للطرق في ليبيا لانسيابية الحركة المرورية، وتصميم أرصفة الطرق بما يراعي المشاة، خصوصا ذوي الاحتياجات الخاصة منهم. وفتح طرق فرعية للدخول إلى الأحياء السكنية لتخفيف الازدحام على الطرق الرئيسة، وإنشاء الجسور والأنفاق، وضرورة تبني سياسة واضحة لإنشاء حارات تسلق في الطرق الجبلية المفردة ثنائية الحارات، والحرص على توزيع المؤسسات الخدمية والمرافق الحيوية في أنحاء متفرقة من المدينة، على ألا تكون المراكز التجارية والمدارس والمصارف وغيرها على جانبي الطرق الرئيسية، والتشديد على ضرورة التنسيق مع إدارة المرور عند منح رخص للمحال التجارية الخدمية، مع وجوب تجريم ظاهرتي: إقامة مطبات صناعية دون ترخيص، والتعدي على رصيف المشاة من قبل الأشخاص العاديين والتجاريين.
• وأشيرَ لأهمية توافر العناصر المرورية المادية المتمثلة في ضرورة تنظيم حركة المرور على الطرقات، وتركيب كاميرات مراقبة ورادارات لمراقبة السرعة، مع وضع العلامات الإرشادية للسلامة المرورية على الطرق العامة والسريعة وفي الطرق الخارجية الرابطة بين المدن، واستخدام أنظمة متطورة بشأن الإشارات المرورية وإنشاء وتفعيل غرف التحكم والسيطرة للحركة المرورية واستخدام التقنيات الجيومكانية لدعم وتعزيز السلامة المرورية في ليبيا.
• كما أٌكد على ضرورة توفير دوريات مرورية متحركة على الطرق السريعة، وثابتة في الأماكن المكتظة بالسيارات أو السكان. مع التشديد على أهمية الدعم المادي والمعنوي والتأهيل النفسي والعلمي والمهني بشكل دوري للقائمين على للعناصر البشرية المرورية، مع التأكيد على تطوير كفاءة محققي الحوادث المرورية من الناحية الفنية، وضرورة إنشاء قسم أو إدارة لضبط جودة الأداء تضمن تقديم عمل مروري بمهنية احترافية عالية.
• وقد استبين أن قانون المرور على الطرق العامة رقم 11 لسنة 1984 وتعديلاته، لم يستوفِ معايير الحقوقية والكفاية والحداثة والفاعلية؛ فقد غابت عن نصوصه أي خصوصية للمرأة الضحية أو مخترقة القانون أو حتى القائمة على تنفيذه! ولا توجد به إشارة لذوي الحاجات الخاصة، فلم يؤكد على أهمية تخصيص مكان لهم على رصيف المشاة أو أي معاملة تيسيرية خاصة بهم؛ باستثناء إشارة يتيمة لمكنة منح تراخيص قيادة (لذوي العاهات البدنية) بهذا اللفظ!!
• ناهيك عن أنه ليس كفؤا؛ فجزاءاته الجنائية إما عقوبات السالبة للحرية التي تكلف الدولة ميزانية ضخمة لضمان القواعد النموذجية الدنيا لمعاملة السجناء، أو غرامات بسيطة القيمة لا تتناسب مع القوة الشرائية للنقود، وقد غابت عنه عقوبة العمل المجاني للمنفعة العامة.
• كما أنه قصر عن مواكبة التطورات التكنولوجية والإلكترونية، فقد غابت فيه الإشارة إلى منظومة النقل الذكي، وتحرير المخالفات المرورية بطريقة إلكترونية ودفع الغرامات إلكترونيا، أو إلى جهاز "التاكوغراف" لمراقبة السرعة، ولم ينص على وجوب احتواء المركبة الآلية على الملصق الإلكتروني ذي الشريحة الإلكترونية التي يمكن قراءة بياناتها عن بُعد، المتضمنة كل البيانات المتعلقة بالمركبة ولوحاتها، والبيانات الخاصة بمالكها، ولم يشر للفحوصات البيولوجية للكشف عن المذهبات العقلية بأنواعها لإثبات حالة القيادة تحت تأثيرها.
• ولعل أخطر ما استنتج في ذاك المؤتمر أنه في حين بقي قانون المرور الليبي على حاله، تعددت وتطورت الوقائع المرورية؛ حيث شملت الاعتداء على حق المشاة في الأرصفة، والاعتداء على رجل المرور بالسب أو الإيذاء، وتعمد التلوث البيئي ببيع فلتر الكربون. ناهيك عن المظاهر المروعة والمخيفة لجميع من يتواجد على الطريق العام، ومنها مثلا: انتهاك بعض المتنفذين لعديد القواعد المرورية، وهي وقائع يمكن أن نطلق عليها، مجازا، مصطلح الإرهاب المروري، استهداءً بتعريف المشرع الليبي للعمل الإرهابي: كل استخدام للقوة أو للعنف أو التهديد أو الترويج بهدف الإخلال الجسيم بالنظام العام أو تعريض سلامة المجتمع أو مصالحه أو أمنه للخطر متي كان من شأن هذا الاستخدام إيذاء الأشخاص أو إلقاء الرعب بينهم أو تعريض حياتهم أو حرياتهم أو حقوقهم العامة أو أمنهم للخطر أو إلحاق الضرر بالبيئة... (المادة 2 من قانون مكافحة الإرهاب رقم 3 لسنة 2014).
• وقد انتهى المؤتمر إلى عديد من التوصيات منها ما وجه للسلطة التشريعية مثل: تعديل قانون المرور بما يجعله؛ أقل تكلفة، وأكثر فاعلية، ومواكبة للتطور التقني، ومراعاة للمعايير الحقوقية، ونجاعة في التصدي للإرهاب المروري.
• ولعل من المقترحات التنفيذية اللافتة؛ التوصية بتشكيل لجنة فنية مكونة من: وزارت الداخلية والحكم المحلي والمواصلات والاقتصاد والتعليم العالي؛ وذلك لوضع رؤية متكاملة بخطتها الاستراتيجية وآلياتها التنفيذية لتحسين حالة السلامة المرورية. مع إقامة ورش العمل وحلقات النقاش والندوات والمؤتمرات لتوفير السند المجتمعي لتلك الرؤية.
• أما عن المقترحات التثقيفية فقد تمثلت في: العمل على تكثيف الإعلانات التوعوية المرورية برسالة إعلامية مستوفية الشروط بشكل دوري ومتطور عن طريق المنشورات والصحف والمجلات واللافتات الدعائية والتلفاز والراديو. كذلك عمل الفريق الإعلامي في أقسام المرور وفي الإدارة العامة للمرور على التوعية المرورية من خلال إعداد دليل مكتوب بقواعد السلامة المرورية ومخاطر الحوادث المرورية يوزع في إطار حملات إرشادية موسعة. مع ضرورة العمل على توعية النشء الجديد، في الأسرة والروضة والمدارس العامة وغيرها مع تضمين المناهج الدراسية لمقرر الثقافة المرورية، ومشاركة الطلاب في أسبوع المرور بكل وسائل التوعية، وتشجيع المجتمع المدني للاضطلاع بدوره الوطني، من خلال إنشاء منظمات مدنية مهتمة بالسلامة المرورية في ليبيا.
مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»
تعليقات