Atwasat

دم المسلم

محمد عقيلة العمامي الأربعاء 09 أبريل 2014, 11:16 صباحا
محمد عقيلة العمامي

للكاتب الروسي، المعاصر، (جنكيز أيتماتوف) رواية عنوانها "الكلب الأبلق الراكض على حافة البحر" يرى الكثير من النقاد أنها تشبه، إلى حد كبير، رواية الكاتب الأميركي (إرنست هيمنغواي) "العجوز والبحر"، التي نال عنها جائزة نوبل. الروايتان ترتكزان على الحكي الرمزي، أركانه البحر والصيد، والمواجهة بين البشر والطبيعة.

الشيخ الصياد في رواية أيتماتوف، يناجي القارب الذي صنعه بيديه يقول له: "أنا أحبك، وأثق بك، يا أخي القارب، أنت تعرف لغة البحر، وتعرف عادات الأمواج، وهنا تكمن قوتك. أنت تجلب لنا التوفيق، لهذا أحترمك"، ويواصل مناجاته واصفًا عودته مُحمًّلاً بصيدهم الثقيل، فيما يندفع الناس إلى الشاطئ لاستقبالهم: "أتفهمني يا أخي القارب؟ أنت تفهمني. لقد بدأت أحدثك منذ كنت لا تعرف البحر بعد، عندما كنت لا تزال تعيش في أحشاء شجرة الحور العظيمة في الغابة؟ لقد حررتك من جوف الشجرة، وها نحن في البحر. وعندما أفارق الحياة لا تنسَ يا أخي القارب، أن تتذكرني عندما تسبح في البحر".

لم تتمكن الكاتدرائية طوال عقود تفردها كمبنى ضخم صُمم ليكون أول مَعلم يراه المقبلون من البحر من تنصير أحد فالجوامع الصغيرة هي التي تولت حماية دين البلاد

والعجوز، وهو جالسٌ بمؤخرة القارب كالنسر المتربص بفريسته، مفكرًا وحالمًا، مدركا أنه بإمكان الإنسان، الذي هو لا شيء في مواجهة البحر اللانهائي، أن يرتقي إلى عظمة البحر والسماء. وما دام الإنسان حيًّا، فهو قوي بروحه كالبحر، لا متناهٍ كالسماء، لأن فكره بلا حدود، وعندما يموت يتابع التفكير رجلٌ غيره، ثم يتابع غيره. إلى ما لانهاية. إدراك هذه الحقيقة كان يمنح للشيخ (الصياد) حلاوة مُرة (كحلاوة العسل الحنون).

والبقية الباقية من صيادي الأسماك ببنغازي، الذين لم يبتلعهم البحر عندما كانوا ينقلون السلاح إلى مصراتة أثناء حصارها، لا يرون كلبًا أبيضَ عندما يعودون إلى ميناء بنغازي، وإنما يرون الكاتدرائية الكاثوليكية التي شُرع في بنائها يوم 12/1/1929م، واُفتُتحت بعد عشر سنين. ويرون، أيضًا، مجمع الدعوة الإسلامية، الذي شُيِّد في ثمانينات القرن الماضي.

لم تتمكن الكاتدرائية طوال عقود تفردها كمبنى ضخم صُمم ليكون أول مَعلم يراه المقبلون من البحر من تنصير أحد. فالجوامع الصغيرة هي التي تولت حماية دين البلاد، والفلقة تكفلت بتحفيظ القرآن في الكتاتيب. وظلت بنغازي آمنة، قانعة، دافئة، ولا أذكر أبدًا، أن أحدًا من سكانها لم يمت موتة طبيعية، ليدفن بكامل أطرافه مثلما خلقه الله. لعلها حالات تعد على أصابع اليد الواحدة كانت الوفاة بسبب سكين استل في حالة هلع أو غضب، أو (جولاطينا) انفجرت في صياد أسماك، أو سلك كهربائي صعق سيئ حظ صباح شتاء ممطر. والناس يموتون، كل يوم، مسلمين من دون أن يكفرهم أحد! كان الناس يعاتبون بنغازي عندما ينفعلون بسبب تقاعس مجلسها البلدي، أو حكومتها على قصور ما في تقديم خدماتها، وأذكر أن أحد مفكرينا عاتبها منفعلاً، وقال لها: "بنغازي إنك أمُنا، ولكنك أسوأ الأمهات على الإطلاق". ولقد حزنت حينها بسب تطاوله على أمي، ولكن أحد الرفاق طبطب على كتفي وأفهمني أنها وجهة نظر، والعاقل هو مَن يحترم الرأي الآخر، فقد يكون قد تأذى بسبب لا نعرفه. ثم أخبرني أن هذا أسلوب ابتكره الناس، لإيصال فكرة ما من خلال التعامل مع الطبيعة ومع مخلوقات الله برؤية خيالية، فيتعامل مع الطبيعة وكأنها كائن حي. يبثها أوجاعه، ويعاتبها ويتقبل غضبها، تمامًا مثلما تعامل معها هيمنغواي وأيتماتوف!

وبنغازي ستظل أمَنا التي لا تتنكر أبدًا لأبنائها، وحتى أولئك، أقصد أولادها الحقيقيين، الذين أخطأوا في حقها سينتبهون يومًا ما، أنهم ظلموها وظلموا أنفسهم فلنبتهل من قبل أن ننزلق في دوامة الحقد والانتقام، أن يهدي الله النفوس ويبين لهم صراحة أن دم المسلم على المسلم حرام: "عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تحاسدوا، ولا تناجشوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا، ولا يبع بعضكم على بيع بعض، وكونوا عباد الله إخوانًا، المسلم أخو المسلم، لا يظلمه، ولا يخذله، ولا يكذبه، ولا يحقره، التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات، بحسب أمرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم، كل المسلم على المسلم حرام دمه وماله وعرضه"، رواه مسلم.

ولعل هذا الحدي ث هو الذي جعل المرحوم حسن البنا مؤسس تنظيم "الإخوان المسلمون" يقول عن أفراد النظام الخاص، التابع للإخوان والذين نفذوا عمليات اغتيال في بدء الدعوة: "إنهم ليسوا إخوانًا وليسوا مسلمين" لأن الدعوة تأسست، في الأساس، على تربية الأطفال ليشبوا مسلمين متحابين، يؤسسون لمجتمع مدني لا يبني فوق أنهار الدماء. رحم الله كل مسلم يرى أن دم أخيه وماله وعرضه حرام عليه.



مقالات الرأي تعبر عن رأي كاتبها، ولا تعبر بالضرورة عن رأي «بوابة الوسط»