كشفت الأبحاث الطبية والبيولوجية الحديثة أن العظام نسيج حيوي وديناميكي يتفاعل باستمرار مع بقية أعضاء الجسم، ويساهم الهيكل العظمي بفاعلية في تنظيم العديد من الوظائف الحيوية المعقدة، بدءاً من الحفاظ على توازن المعادن، ووصولاً إلى التأثير المباشر في عمليات الأيض (الاستقلاب) والتحكم في الطاقة.
وتخضع العظام طوال حياة الإنسان لعمليات هدم وبناء مستمرة استجابة للنشاط البدني، والتبدلات الهرمونية، واحتياجات الجسم المتغيرة، وذلك عبر تنسيق ثلاثي دقيق بين «الخلايا الهادمة» التي تزيل الأنسجة القديمة، و«الخلايا البانية» التي تشيد عظاماً جديدة، و«الخلايا العظمية» التي تدير استجابة الهيكل العظمي للإجهاد الميكانيكي.
ويتبدل هذا التوازن البيولوجي بين تكوين العظام وتآكلها مع التقدم في السن، ففي مرحلتي الطفولة والمراهقة، يتفوق البناء على الهدم لتزداد الكثافة حتى تبلغ ذروتها في مرحلة البلوغ، قبل أن تنعكس الآية مع التقدم في العمر، ولا سيما مع الهبوط الهرموني مثل انخفاض الإستروجين بعد انقطاع الطمث لدى النساء، ليبدأ التآكل بالتفوق تدريجياً، ما يرفع مخاطر الإصابة بهشاشة العظام والكسور، وفقا لدورية «كونفرسيشن».
كما تتأثر العظام طردياً بمستوى النشاط البدني، فالركض وتمارين المقاومة تحفز الخلايا البانية، بينما يؤدي الخمول الطويل أو العيش في بيئة الجاذبية الصغرى (كما يحدث لرواد الفضاء) إلى فقدان سريع للكتلة العظمية نتيجة غياب الأوزان المعتادة.
- دراسة: عدم جدوى تناول مكملات الكالسيوم وفيتامين «D» الروتينية في منع كسور العظام
- الرياضة تتفوق على الأدوية والجراحة لعلاج التهاب المفاصل
- «القاتل الصامت».. كيفية الوقاية من مرض هشاشة العظام
وتلعب الهرمونات دوراً محورياً في تنظيم هذا النسيج، إذ تنسق الكلى والغدد جارات الدرقية إفراز هرمونات معينة، مثل هرمون الغدة جار الدرقية وفيتامين «د»، لإرسال إشارات كيميائية دقيقة تدفع العظام لإطلاق الكالسيوم والفوسفات في مجرى الدم أو تخزينهما، نظراً لأهميتهما القصوى لعمل الأعصاب والعضلات.
ويمثل نخاع العظم المبطّن للموقع الداخلي الهيكلي المصنع الرئيسي لإنتاج خلايا الدم الحمراء الناقلة للأكسجين، وخلايا الدم البيضاء المسؤولة عن المناعة، والصفائح الدموية اللازمة لتخثر الدم، مستجيباً بمرونة عالية لحالات الالتهابات وفقدان الدم، مما يعكس الارتباط العضوي بين الهيكل العظمي والجهازين الدوري والمناعي.
الركيزة الأساسية لصيانة الهيكل العظمي
«أثبتت الدراسات المعملية أن العظام لا تكتفي باستقبال الإشارات الهرمونية من أعضاء الجسم فحسب، بل تعمل كغدة صماء ترسل إشاراتها الخاصة، إذ يساهم بروتين «الأوستيوكالسين» (Osteocalcin) وجزيئات حيوية أخرى تنتجها الخلايا العظمية في تنظيم استقلاب الطاقة، وحرق الدهون، وحساسية الإنسولين».
وكونها نسيجاً حياً، تمتلك العظام قدرة ذاتية فائقة على الالتئام بعد الكسور عبر مراحل الالتهاب والبناء وإعادة التشكيل، وتعتمد سرعة هذا التعافي على جودة التغذية وتدفق الدم.
وفي المقابل، يؤدي التدخين، وسوء التغذية، والاستخدام الطويل للأدوية مثل «الغلوكوكورتيكويدات» إلى إضعاف هذه الديناميكية.
وتبقى التغذية السليمة المعتمدة على الكالسيوم وفيتامين «د» الركيزة الأساسية لصيانة هذا الجهاز، لذا تتجه الأبحاث الطبية الحديثة حالياً إلى عدم الاكتفاء بقياس الكثافة الرقمية للعظام، بل التركيز على جودة النسيج الخلوي وديناميكية تواصله مع بقية أجهزة الجسم، مما يفتح آفاقاً علاجية واعدة لأمراض الشيخوخة والتمثيل الغذائي.
تعليقات