كشفت دراسة علمية حديثة أن الخلايا السرطانية تعتمد على استراتيجية بيولوجية شديدة التعقيد تمكنها من الاختباء والتخفي تماماً عن رادار جهاز المناعة، وذلك عبر التلاعب المتعمد ببروتين حيوي هام يتواجد على سطح الخلايا يُطلق عليه اسم «MUC1».
وفي الحالة الطبيعية للجسم، يعمل هذا البروتين كدرع واقٍ متكامل يغطي الخلية السليمة بطبقة كيميائية من السكريات لحمايتها من هجمات البكتيريا، والفيروسات، والسموم الخارجية، فضلاً عن مساعدة الخلايا المناعية في رصد أي خلل أو تهديد داخلي؛ إلا أن هذا البروتين يشهد تحولاً جذرياً ومدمراً داخل الخلايا السرطانية، حيث يفقد وظائفه الدفاعية الأصلية ليتحول إلى عامل أساسي يساعد الأورام على النمو والافلات من العقاب المناعي، وفقا للدراسة المنشورة على موقع «ذا كونفرسيشن».
وترتبط هذه الآلية بما يُعرف علمياً بعملية «إضافة السكريات إلى البروتينات»، وهي عملية حيوية دقيقة للغاية ومسؤولة عن تثبيت سلاسل سكرية محددة على أسطح البروتينات؛ ففي الوقت الذي تكون فيه هذه السلاسل طويلة، ومنظمة، ومتماسكة في الخلايا السليمة لتشكل خط دفاع قوي، يصيب هذه العملية خلل بنيوي حاد داخل الخلايا السرطانية، مما يجعل تلك السلاسل أقصر وأقل انتظاماً بشكل ملحوظ.
وينتج عن هذا التشوه الكيميائي ظهور علامات شاذة وغير طبيعية على السطح الخارجي للخلية تُعرف باسم «Tn» و«sTn»، وهي بمثابة «بصمات سرطانية» خفية تساعد الورم على التمويه؛ ولا يتوقف تأثير هذه التغيرات عند حدود إخفاء الخلايا المصابة، بل يمتد ليعيد توجيه طريقة عمل الخلية من الداخل وإجبارها تدريجياً على التحول الكامل من النمط الطبيعي إلى النمط السرطاني.
- دراسة: بعض أنواع السرطان لا تزال تقاوم العلاجات الموجّهة الثورية
- تطوير نوع جديد من اختبارات الدم للكشف المبكر عن السرطان
- تحليل لـ«الصحة العالمية»: يمكن تفادي ثلث الإصابات بالسرطان بتغيير ثلاث عادات
وتشير معطيات الدراسة بدقة إلى أن هذا الاضطراب البيوكيميائي لا يحدث بشكل عشوائي، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بإعادة توزيع وتموضع الإنزيمات داخل العضيات الخلوية، فبدلاً من أن تمارس هذه الإنزيمات وظيفتها الطبيعية المعتادة في تعديل وتغليف البروتينات داخل «جهاز غولجي»، تنتقل في الحالات السرطانية إلى «الشبكة الإندوبلازمية» التي تمثل خط الإنتاج الأساسي والمنبع الأول داخل الخلية، مما يسبب إرباكاً حاداً في تصنيع السلاسل السكرية ويقود لإنتاج تركيبات مشوهة تدعم بقاء الورم واستمراره.
الموقع المفضل للخلايا السرطانية
ونجح الباحثون، عبر طفرة تقنية شملت استخدام نماذج حاسوبية متقدمة وتطبيق تقنيات الكيمياء الكمّية على مستوى الذرات، في تحديد موقع ذري فائق الدقة داخل بروتين «MUC1» يُدعى «T13»، وهو الموقع المفضل الذي يستهدفه السرطان لإحداث شرارة هذه التغيرات، مما يمنح العلماء دليلاً ملموساً يوضح بدقة أين تبدأ هذه العملية التدميرية وليس فقط كيف تحدث.
ويسعى الفريق البحثي حالياً لتطوير نماذج محاكاة حاسوبية تربط بين هذه التبدلات الجزيئية وبين سلوك الخلايا المناعية الكبرى مثل «البلاعم» (الخلايا البلعمية الكبيرة)، وهي الخلايا المناعية المسؤولة عن ابتلاع الأجسام الغريبة والتي ينجح السرطان أحياناً في خداعها واستغلالها لصالحه بدلاً من مقاومته.
تعليقات