أكد باحثون أن الانفراد بالنفس والشعور بالوحدة ليسا شيئاً واحداً، وأن إدراك الفارق بينهما ومعالجته قد يجنبنا آثاراً صحية خطيرة؛ فالجسد يدرك جيداً الفرق بين الحالتين، وما يهم بالدرجة الأولى ليس عدد الأشخاص في حياة المرء، بل الكيفية التي يُدرك بها تلك الروابط الاجتماعية.
وفي دراسة حديثة لجامعة «كورنيل» نُشرت في دورية «جامعة ميتشغان لشبكة مفتوحة» (JAMA Network Open)، خلص الخبراء إلى أن المشاركين الذين شعروا بوحدة أكبر مما توحي به ظروفهم الاجتماعية واجهوا مخاطر صحية أعلى.
وأوضح البروفيسور أنتوني أونغ، مدير مختبرات صحة الإنسان في الجامعة، أن الرسائل الصحية العامة تركز عادة على توسيع الشبكات الاجتماعية، لكن الدراسة تشير إلى أن مجرد وجود الروابط لا يروي القصة كاملة؛ إذ يمكن لشخصين أن يمرا بالظروف الاجتماعية نفسها، لكنهما يسلكان مسارات صحية متباينة تماماً تبعا للطريقة الذاتية التي يختبران بها تلك الظروف.
«عدم التماثل الاجتماعي» وخطر الوفاة
درس فريق البحث ما أطلق عليه اسم «عدم التماثل الاجتماعي»، وهي الفجوة بين العزلة الموضوعية (محدودية التواصل) والمشاعر الذاتية بالوحدة (الشعور بالانفصال).
- دراسة: لعبة «سوبر ماريو اوديسي» تساعد في علاج الاكتئاب
- تعزيز الصحة النفسية في العراق لا يزال تحدياً بعيد الأمد
- «قنبلة موقوتة».. مشكلات الصحة النفسية تثير قلقا كبيرا في كندا
ومن خلال تحليل بيانات نحو 7.845 شخصاً فوق سن الخمسين في إنجلترا على مدار 13 عاماً، تبين أن الأشخاص المصنفين كـ«هشين اجتماعياً»، وهم من يشعرون بوحدة تفوق واقعهم الاجتماع، يواجهون خطراً أعلى للوفاة بجميع أسبابها، إضافة إلى أمراض القلب والانسداد الرئوي المزمن.
في المقابل، أظهرت الدراسة أن الأشخاص «المرنين اجتماعياً»، وهم المعزولون فعلياً لكنهم لا يشعرون بالوحدة، واجهوا زيادة محدودة فقط في المخاطر الصحية.
كما أشارت دراسة أخرى في دورية «نيتشر لاتصالات علم النفس» (Nature Communications Psychology) إلى أن من يعانون من «وحدة مزمنة» يميلون لإدراك التفاعلات الاجتماعية كمصدر تهديد، مما يدفعهم للانسحاب ويدخلهم في حلقة مفرغة يصعب كسرها.
بديل طبي غير تقليدي
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن نحو 16% من سكان العالم يعانون من الشعور بالوحدة، وأن مراجعة واحدة من كل خمس لدى أطباء الرعاية الأولية تتعلق بمشاكل غير سريرية كالعزلة والضيق المالي. ورداً على ذلك، برز مفهوم «الوصفة الاجتماعية»، وهي أنشطة غير طبية تشمل مجموعات المشي أو العمل التطوعي أو نوادي البستنة، تهدف لتعزيز رفاه المرضى وربطهم بالموارد المجتمعية.
وتُعد المملكة المتحدة أول دولة تدمج هذا المفهوم في سياساتها الوطنية، حيث يُحال أكثر من مليون شخص سنوياً لهذه الخدمات.
واعتباراً من مارس 2026، ستصبح «الأكاديمية الوطنية للوصفة الاجتماعية» في المملكة المتحدة مركزاً معتمداً لدى منظمة الصحة العالمية لتطوير هذه السياسات دولياً، في خطوة تهدف لمعالجة المحددات الاجتماعية للصحة وتخفيف الضغط عن أنظمة الرعاية المثقلة.
تعليقات