Atwasat

دراسة جديدة تُعيد رسم خريطة الوعي البشري

القاهرة - بوابة الوسط الأربعاء 24 سبتمبر 2025, 11:57 صباحا

في مقال علمي نُشر حديثًا، استعرض الباحث بيتر كوبولا، الزميل الزائر في «كامبريدج نيوروساينس» بجامعة كامبريدج، أكثر من مئة عام من الأبحاث العصبية بهدف تحديد ما إذا كانت هناك مناطق معينة في الدماغ تلعب دورًا جوهريًا في نشأة الوعي البشري. وقد كشفت النتائج أن العلماء ربما كانوا يقللون من أهمية بعض الأجزاء «البدائية» في الدماغ البشري، التي تعود إلى مئات الملايين من السنين.

BCD Ad BCD Ad

يُعرِّف علماء الأعصاب الوعي عادة بأنه القدرة على اختبار التجربة الذاتية، مثل تذوق تفاحة أو رؤية لونها الأحمر. وتُرجح النظريات الرائدة أن القشرة الدماغية (الطبقة الخارجية من الدماغ، وبخاصة القشرة الحديثة (neocortex)، هي العنصر الرئيسي وراء نشأة الوعي، وفقا للمقال الذي نشرته دورية «ذا كونفرسيشن».

في المقابل، يُعتقد أن الدماغ التحتي (subcortex)، هو جزء أقدم بكثير من الدماغ لم يتغير كثيرًا منذ 500 مليون سنة. وغالبًا ما يُنظر إليه على أنه «الكهرباء» التي تبقي الوعي مشتعلًا، لكنه لا ينتج الوعي بنفسه.

أما المخيخ (cerebellum)، والذي يقع في الجزء الخلفي من الجمجمة ويُشبه دماغًا صغيرًا، فقد جرت العادة على تجاهله في معظم نظريات الوعي، ويُعتقد أنه غير مرتبط بهذه الظاهرة.
استعرض كوبولا دراسات استخدمت التحفيز الكهربائي أو المغناطيسي لتغيير نشاط مناطق مختلفة من الدماغ، ورصدت كيف أثّر ذلك على الوعيK وقد أظهرت هذه التجارب أن تغيير نشاط أي من هذه الأجزاء الثلاثة يمكن أن يغيّر من حالة الوعي. على سبيل المثال:

■ تحفيز القشرة الدماغية يمكن أن يغيّر شعورك بذاتك، يسبب الهلوسة، أو يؤثر على قدرتك على اتخاذ القرار.

■ تحفيز الدماغ التحتي قد يؤدي إلى نتائج دراماتيكية: مثل إحداث اكتئاب، إيقاظ قرد من التخدير، أو إدخال فأر في حالة فقدان للوعي.

■ حتى المخيخ، الذي اعتُبر سابقًا غير ذي صلة، يمكن أن يؤدي تحفيزه إلى تغييرات في الإدراك الحسي الواعي.

ومع ذلك، يحذر كوبولا من أن هذه النتائج لا تُثبت بشكل قاطع مصدر الوعي، لأن تحفيز منطقة معينة قد يؤثر بشكل غير مباشر على مناطق أخرى. تمامًا كما أن فصل التيار عن التلفاز لا يعني أن المقبس الكهربائي هو مصدر الصورة.

أدلة من إصابات الدماغ
انتقل الباحث بعد ذلك إلى دراسة آثار الإصابات الدماغية على الوعي. فقد أظهرت بعض الحالات أن:

 تلف القشرة الدماغية يمكن أن يغيّر تصور الشخص لجسده أو بيئته، أو يجعله أكثر اندفاعًا.
 أشخاص وُلدوا بدون مخيخ أو الجزء الأمامي من قشرتهم الدماغية، قد يبدون واعين ويتمكنون من عيش حياة طبيعية نسبيًا.
■ في المقابل، تلف المخيخ في مرحلة لاحقة من الحياة قد يؤدي إلى الهلوسة أو تغيرات كبيرة في العواطف.
 أما تلف المناطق الأقدم من الدماغ فقد يؤدي إلى فقدان الوعي أو حتى الوفاة، رغم أن بعض المرضى قد يتعافون لاحقًا.

واحدة من أبرز الحالات التي تطرق لها كوبولا هي لأطفال وُلدوا دون معظم أو كل القشرة الحديثة. ووفقًا للكتب الطبية، يفترض أن يكون هؤلاء في حالة غيبوبة دائمة. إلا أن عديد التقارير تشير إلى أنهم يستطيعون اللعب، التعرف على الأشخاص، وحتى الاستمتاع بالموسيقى. وهذا يلمح إلى احتمال وجود تجربة واعية حتى بدون القشرة.

وقد يفسر هذا بطريقتين: إما أن الأجزاء القديمة من الدماغ تكفي لإنتاج وعي بدائي، أو أن الدماغ يتكيف ويعيد تنظيم نفسه بحيث تُؤدي الأجزاء القديمة وظائف جديدة في غياب الأجزاء الحديثة.

تشير تجارب جذرية أُجريت على حيوانات مثل الفئران والقطط والقرود إلى أن إزالة القشرة الدماغية بالكامل لا تمنعهم من ممارسة سلوكيات معقدة مثل اللعب، التعبير عن المشاعر، تنظيف أنفسهم، رعاية صغارهم، بل وحتى التعلم. بل وحتى الحيوانات البالغة أظهرت نفس السلوك بعد الجراحة.

قد تكون لهذه النتائج تداعيات واسعة، ليس فقط على فهمنا للوعي، بل أيضًا على كيفية التعامل مع المرضى الذين يعانون من إصابات دماغية، وكذلك على الطريقة التي نُفكر بها بشأن حقوق الحيوانات. فربما يكون الوعي أكثر انتشارًا في الكائنات الحية مما كنا نظن.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
ابتكار أول لقاح صممه الذكاء الصناعي لمواجهة جميع طفرات كورونا
ابتكار أول لقاح صممه الذكاء الصناعي لمواجهة جميع طفرات كورونا
الطوارئ الطبية تستعد لمواجهة شبح الحصبة والأوبئة العابرة للحدود في كأس العالم
الطوارئ الطبية تستعد لمواجهة شبح الحصبة والأوبئة العابرة للحدود ...
دراسة: الدماغ يواصل معالجة اللغة والتعلم حتى تحت التخدير الكامل
دراسة: الدماغ يواصل معالجة اللغة والتعلم حتى تحت التخدير الكامل
الأمم المتحدة: الخفض الكبير في المساعدات الدولية يُعرّض مكافحة الإيدز للخطر
الأمم المتحدة: الخفض الكبير في المساعدات الدولية يُعرّض مكافحة ...
دراسة: الوضع المالي للأسرة يترك أثراً أكبر في دماغ الطفل من الذكاء والتربية
دراسة: الوضع المالي للأسرة يترك أثراً أكبر في دماغ الطفل من ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم