في ديوانه «ما كفلته الريح» الصادرعن وزارة الثقافة والتنمية المعرفية بحكومة «الوحدة الوطنية الموقتة» لم يضع الشاعر والكاتب عبدالحكيم كشاد القصائد على نفس واحد أو نسق يتيم الخيارات، بل منح النص هامشا من المسارات النفسية المتعددة، تتقمص شكل الرسائل وتلقي بالمضامين على نطاق يخلص للاختلاف أكثر ما ينحو للتوافق.
هذا الاختلاف ظل مستقرا في ذاته ولم يرتق للبوح أو رؤية بقيت في سبات بصحوة مؤجلة حتى اختمرت في فرن التجارب وهو أيضا اختلاف يحاول كشط طبقة الزيف والبحث عن بؤر الضوء المختبئ في تجاويف النفس ومراقد الشعور.
كما أن الاختلاف ينهض قوامه أحيانا على صيغة صوفية شفيفة تأتي لتعزز حضور الروح وتنسحب على مهل لصالح أسئلة تبحث في صور الواقع الإنساني وتناقضاته.
تتناوب روح النصوص على بعدين تأملي وإخباري، حيث يعتمد الأول أسلوب استنطاق الذات عبر اقتفاء أثر همساتها مع الطبيعة أو الوقوف على بصماتها في دفاتر ذوات أخرى، ففي نص (مشيئة) يلتحم الشاعر مع الطبيعة فهي المعلم الأول ومستودع التأملات الكبرى.
- للاطلاع على العدد «552» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
يحكي عن سر المطر والمرموز المستتر أسرار أخرى تختبئ في جراب ذاك التلاقح فهو سيرة الوجود ومكنون القدر الذي يرسم وقع خطواتنا على التراب، وهو مظهر فيزيائي لمغزى روحي ينهض على جدلية الحياة والموت (الرعد والبرق / مخاض غيمة / ولقاء تزاوج ريح / بسحابة حبلى / كلما هبت لواقح / انهمر المطر/ أخاهما المدلل / اللذان راحا يلاحقانه / آناء الليل وأطراف النهار).
كيمياء الاستمرار تستفز أزليتها المخيلة الشاعرة فتحاول رسم علاقتها مع الزمن بصيغة الإخبار وهو البعد الثاني في جدارية الديوان، وهي كشوفات نفسية كنتاج لطبيعة الحياة المبنية على الصد والصدام والتدافع، نحاول فيها تفادي مكائد الوقت ومغالبة الظنون بل ونسعى أحيانا للتواطؤ مع الزمن لتكذيبها ثم نعود لعتابه مرة أخرى تحت صدمة المواقف.
وتتكفل ثنائية الزمن والحبر كمون داخلي في سردية (الإخبار)، بإخبارنا عن ردود أفعالنا والنظر إليها بعد دخولها في جب الماضي، نمارس في توثيقها دور القاتل والمقتول: (أيها الوقت / لم تعلمني كيف أغرس / حربتي / في رزنامتك / تعاظم ما مر علي / كيف أجلل ما تلقيه / سقطا).
تناوب واندماج
يحدث أن يخالف المساران التأمل والإخبار قاموس الديوان ينغمس أحدهما في الآخر، ويتوالد من النص الهجين فيض من التآويل والنداءات والحكايا المستترة، هنا تصبح الصورة الشعرية على استعداد للتماهي هي الأخرى مع حالة الاندماج وتظهر في شكل ومضات يتقوى بريقها ويخفت بحسب حضور وتراجع ما هو تأملي أو إخباري.
- للاطلاع على العدد «552» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
نرى ذلك مثلا في نص «ظمأ على ضفاف عطشى» نرى طقسا للبوح ونفسا للرثاء وطابع استذكار ترتسم في موجة الطقوس بعض تفاصيل الوجد عواطف شابها قسوة الحاضر«يبكيني / أن أرى الصباحات / وقد غيرت مواقيت غناء / العصافير / كأن لا أرى البحر في زرقته/ وما حمل الموج من مراكب / لم تهتد للمنائر / كأن يفزعني نقاء يبدد/ هدوءه».
يتمدد دفق التأمل على جسر الوجد، مشتبكا في نقلة أخرى مع مسحة رثائية، تنتقد حالة التمزق النفسي وتنحو أيضا إلى مساءلة الكينونة البشرية عن تشوهات الإنسان داخلها: «بعد أن ضاقت النظرة إلى /السماء/ واختفى موضع قدم على / الأرض»، لذا تتبدى الذاكرة جاهزة لاستقبال الماضي ويصبح طابع الاستذكار هو النقلة الخاتمة في النص وجملة الإغلاق في قاموس الإخبار: «كانت أمي ومن عاداتها / أذكر وأنا صغير / ما أشعرني أن وطني بخير / كلما خرجت لألعب / تملأ جيوبي بالكاكوية /وتمنحني يداها اطمئنانا».
هكذا تمضي كيمياء النصوص في «هذه البعيدة» و«رجل مهذب» و«وعظ العصافير» و«الفتى العاق» شارحة لموجات القلق الذي يغزو صفاءنا ونلود بالصمت كمظهر من مظاهر التأمل والبوح كحالة من حالات الإخبار بغية صنع مخدة صد إدراكية تحلل دواعي تلك الموجات وتخفف من صدماتها، وفي المقابل تنفي أن تكون بريئة من تكاوين ذاك القلق فهي أي الكينونة البشرية أو دواخلنا المشتتة تحاول فقط رسم حالة من حالات الاعتراف، دون أن تبالغ في تأدية دور الضحية أو تلقي الاتهام على سهام الظنون ومكائد الزمن، فنحن كما يقول النص «القاتل والقتيل».
تعليقات