هنا في شارع المتنبي وسط العاصمة العرافية بغداد حيث يتردّد تاريخيا هواة الكتب، يفترش حسين علي الرصيف بعشرات المؤلفات لبيعها، متأسّفا على اندثار حب اقتناء الورق وتراجع مبيعاته في عصر الإنترنت.
يقول حسين لوكالة فرانس برس التي التقته الجمعة، مطلع عطلة نهاية الأسبوع في بلاد الرافدين وأكثر الأيام اكتظاظا في الشارع، «قبل 35 سنة، كنت أبيع أكثر من 50 كتابا في مثل هذا اليوم، لكنني أصبحت أبيع ما لا يزيد على خمسة».
وشاع في الثقافة العربية في الماضي مثَل يقول «القاهرة تكتب وبيروت تطبع وبغداد تقرأ»، في إشارة الى كثافة الإنتاج الأدبي في مصر في مرحلة الستينيات وما بعدها وانتشار المطابع في لبنان الذي يتباهى بحريات أوسع من محيطه العربي، وثقافة العراقيين الموسومة، لكن هذه المقولة ربما تبدو بعيدة اليوم.
في الشارع الذي أطلق عليه قبل نحو مئة عام اسم شاعر القرن العاشر أبوالطيب المتنبي، تنتشر عشرات أكشاك الكتب المليئة بكتب بالعربية والإنجليزية، وذلك بالقرب من المقاهي وملتقيات المثقفين. وترفع بعضها لافتات مكتوب عليها «الكتاب بألف دينار» (أي بأقل من دولار واحد)، لمحاولة استقطاب الزبائن، لكن دون جدوى. ويكتفي بعض رواد الشارع بتصوير هذه الأكشاك مع الكتب.
بعض هذه الكتب غزاها الغبار على الرغم من أنها مطبوعة حديثا وتتناول عهد صدام حسين البعثي ثم سقوطه جراء الغزو الأميركي في 2003، إضافة إلى السياسة بشكل عام واليوغا وعلم الفلك والزراعة والفنون والإسلام وعلم النفس والفلسفة وعلم الآثار.
بعض الكتب الآخر ينهشه الاصفرار، وبينها دواوين شعر من العصر العباسي، بينها دواوين أبونواس الذي يحمل شارع آخر في بغداد اسمه، ومجموعات قصصية شعبية عراقية وروسية وتركية، كما يمكن رؤية مجلات علمية وفنية قديمة بهتت أغلفتها أو تشقّقت.
يقول حسين علي إن من بين الكتب النادرة التي يمكن العثور عليها في شارع المتنبي، كتاب «الكنز العظيم» المقدّس الذي يتبعه الصابئة المندائيون، وهم أقلية دينية لها لغتها الخاصة ومنتشرة بشكل أساسي في العراق وإيران.
- للاطلاع على العدد «552» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويؤكد الرجل السبعيني أنه يشعر «بالأسى لأنني أتعب دون أي ربح في المقابل»، مؤكدا أنه مستمر في عمله لأنه «اعتاد» عليه وعلى «لقاء أصدقاء قدماء يزورون المتنبي».
ويرثي موت «الإبداع»، مدركا أن أسباب ذلك تعود إلى «ارتفاع سعر الكتاب وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي».
«أقل سهولة وسرعة»
ويُعتقد أن الكتابة ظهرت بشكلها الأول في جنوب العراق قبل نحو خمسة آلاف عام، في مدينة أوروك الأثرية التي أصبحت اليوم معروفة باسم الوركاء وتقع في محافظة المثنى.
أما مهندس الحاسوب عيسى عدنان (28 عاما) فيعترف بأنه لم يعد مهتما بقراءة الروايات وكتب الفلسفة كما كان في السابق «لأننا أصبحنا نعشق السرعة والإيجاز».
ويرى أن البحث عن الكتب في شارع المتنبي مثلا «أقل سهولة وسرعة» من «الحصول على الكتب إلكترونيا».
وعلى الرغم من نزاعات عرفها العراق على مدى عقود منذ الثمانينيات، ظل شارع المتنبي نابضا بالحياة بمكتباته ومقاهيه، حتى بعد تعرضه في العام 2007 لتفجير انتحاري بشاحنة أدى إلى مقتل 30 شخصا ودمر محلات ومكتبات قديمة.
قبل بضعة أعوام، أُعيد ترميم الشارع الممتد على مسافة كيلومتر واحد، وهو يؤدي إلى إحدى ضفاف نهر دجلة حيث تمثال كبير للمتنبي خُطّ تحته بيت من أبيات قصائده الشهيرة: «أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي، وأسمعت كلماتي من به صمم».
ويشير عبدالله عبدالعظيم (26 عاماً) الذي يدير مكتبة في شارع المتنبي، إلى «انخفاض كبير» بعدد القرّاء والزبائن.
ويقول الشاب الذي يروّج على حساب المكتبة على منصة إنستغرام للكتب المتوفرة لديه، «الأرباح أحيانا بسيطة، وأحيانا أخرى معدومة بالكامل»، ويرى أن «البيت الذي لا يحتوي على مكتبة يفتقر للخيال والتجدّد».
- للاطلاع على العدد «552» من جريدة «الوسط».. اضغط هنا
ويقول الكاتب حاكم الشمّري إنه بدأ يوزع مؤلفه الأخير «على المؤسسات العلمية والوزارات من دون مقابل مادي» وسط تراجع في الاهتمام بالكتب.
وفي مقهى حيث يجتمع مثقفون من عدة مدن عراقية حول الشاي ومواضيع السياسة والشعر، يؤكد إسماعيل البياتي أنه «لا يوجد إقبال على الكتب حاليا في المتنبي» على الرغم من أنها تُباع «بأثمان رخيصة».
لكن على الرغم من ذلك، لا يزال الرجل السبعيني الذي قرأ أكثر من 500 كتاب في حياته، وفق قوله، يحاول أن يشتري «أي كتاب ولو على أساس عنوانه فقط»، لتغذية ولعه بالمطالعة ودعم الباعة.
ويرى الرجل الذي درّس التاريخ على مدى 40 عاما في جامعة بغداد، أن العالم اليوم «يعيش حالة مشابهة لمتعاطي المخدرات عندما يفقدها، فإذا فقد الإنترنت، كأنه يموت».
تعليقات