يصوّر مؤيد زابطية معظم مشاهد فيلم يعدّه في استوديو صمّمه داخل منزله في مدينة طرابلس. في بلد يغيب فيه الإنتاج السينمائي بشكل شبه تام، يشكّل ذلك الوسيلة الوحيدة لهذا المخرج الليبي لممارسة فنه.
قبل انقلاب العام 1969 الذي أوصل العقيد الراحل معمر القذافي إلى سدة الحكم، كانت السينما مزدهرة في ليبيا، وضمّت طرابلس وحدها أكثر من 20 داراً للعروض السينمائية، وفي سبعينات القرن العشرين، أغلق حكم معمّر القذافي معظم دور السينما، معتبراً أنها تمثّل «غزواً ثقافياً» وأماكن تجمّع يصعب السيطرة عليها، وعندما سقط حكم القذافي في العام 2011 بعد انتفاضة شعبية وتدخّل من حلف شمال الأطلسي، إلا أن تبعاتها وآثارها لا تزال قائمة.
يقول زابطية (47 عاماً): «لم يعد لدينا دار عرض واحدة.. ماتت السينما، ولم تعد هناك قاعات عرض»، فيما يقول الممثل محمد رزق الذي يشارك في الفيلم: «يجب السفر إلى الخارج لمشاهدة فيلم»، وفقا للوكالة الفرنسية.
في السنوات التالية، عانت السينما الليبية من «المرض» والغياب، كما يقول المخرج، وكانت الأفلام القديمة ذاتها تُعرض بشكل متكرّر في دور العرض القليلة المتبقية.
- الشبكة العربية للسينما.. منصة جامعة لدعم وتطوير المشهد السينمائي العربي
- مؤيد زابطية: «الإمارة» صنف ضمن أفلام الرعب بسبب نقله الواقع الليبي
- مؤيد زابطية يستعد لـ«ميلانين»
بعد سقوط القذافي العام 2011، عقد مؤيد زابطية الآمال بأن السينما «ستولد من جديد»، لكن عدم الاستقرار السياسي والصراعات بين المجموعات المسلحة حالت دون ذلك، إضافة إلى «عدم اهتمام المسؤولين في جميع الحكومات منذ 2011» بهذا الشأن.
غير أن حلم الطفولة بأن يصبح يوماً ما مخرجاً سينمائياً لم يفارقه، وهو يتذكّر كيف كان يستأجر أفلاماً على أشرطة «VHS» من متجر في الحي الذي يسكنه. ثم، ومنذ العام 2001، شرع تدريجياً في إنشاء استوديو خاص به.
وبانتظار أيام أفضل، كرّس نفسه لأنواع فنية «أكثر ربحاً»، مثل تصوير فيديوهات حفلات الزفاف والمناسبات، والإعلانات التجارية، والمسلسلات التلفزيونية.
فيلم عن «ليبيا الثمانينيات»
يجلس مؤيد زابطية تحت ضوء خافت في الاستوديو، محاطاً بالفنيين، ويدير كل شيء: الممثلين، والديكورات، والأزياء. فيلمه الروائي الطويل الأول، «1986»، الذي كتبه وأنتجه بنفسه، يستحضر «ليبيا في ثمانينات القرن الماضي، فترة من الاضطرابات السياسية والاجتماعية» خلال حكم معمر القذافي، ويحكي قصة جيل يتوق إلى الحرية في ظل الخوف والرقابة والقمع.
ويرى بأن العائق دون تطوّر السينما الليبية اليوم لم يعد الرقابة فحسب، بل مجموعة كاملة من الصعوبات التي تتضافر مع نقص الدعم العام، وذلك رغم محاولات السلطات في السنوات الأخيرة إنعاش الفن السابع عبر تنظيم مهرجانات وإنشاء المعهد الليبي للسينم العام 2021.
يفضّل مؤيد زابطية تصوير معظم مشاهده في الاستوديو، لأن «التصوير في الشارع في ليبيا متعب جداً»، في بلد غير معتاد على رؤية فرق تصوير أفلام في الشارع.
على الرغم من كل هذه المصاعب، طارت شهرة بعض الأفلام الليبية خارج الحدود، ومنها الفيلم الوثائقي «ملاعب الحرية» للمخرجة الليبية البريطانية نزيهة عريبي والذي يروي قصة ثلاث لاعبات كرة قدم، وقد عُرض هذا الفيلم في مهرجان تورنتو السينمائي الدولي العام 2018، وفيلم «دونجا» للمخرج مهند لامين والذي يتناول ثورة 2011، وقد عُرض في مهرجان أمستردام السينمائي الدولي العام 2023.
يرى مؤيد زابطية أن الحل للسينما الليبية قد يأتي من منصّات ذات إمكانات كبيرة، مثل «نتفليكس» و«أمازون». فبينما تُتّهم هذه المنصات باستمرار بإضعاف قاعات السينما، إلا أن من شأنها «إبراز الإنتاجات المحلية على المستوى العالمي»، كما يقول.
تعليقات