تحت عنوان «كتاب في الذاكرة» نظمت الجمعية الليبية للآداب والفنون في بيت نويجي للثقافة أمسية أدبية ضمن سلسلة أمسيات تحتفي بقراءات في كتب أثرت في حياتنا.
أدارها الكاتب رضا بن موسى، بمشاركة كل من الشاعرة حواء القمودي والصحفية فتحية الجديدي. تناولت حواء القمودي رواية «الزنبقة السوداء» لأليكسندر داماس، مع إشارات لروايات وكتب أخرى أسهمت في تشكيل وعيها عن الحياة والأدب والكتابة.
وتحدثت الصحفية فتحية الجديدي عن كتاب «الحرية في أدب المرأة» للكاتب عفيف فراج، الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية بيروت لبنان 1980، وهو عبارة عن دراسة في مفهوم الحرية في مجموعة الأقلام النسائية مثل ليلى بعلبكي، وكوليت خوري وسحر خليفة، ونوال السعداوي، وغيرهن.
حكاية ومسارب وطرق
(بعض الكتب عند قراءاتها قد لا يعود المرء كما كان عليه، تتفتح مداركه وتضيف حياة إلى حياته) هذه الاستهلالية للكاتب رضا بن موسى تؤكدها الكاتبة والشاعرة حواء القمودي وهي تسرد رحلتها مع الحروف والكلمات وتدعونا لتتبع خيط البداية لوالدتها تقول القمودي: قبل البدء ستكون حكايات أمي زهرة أوقاتاً تقتنصها لي أضم ركبتي وأفتح آذان قلبي وعقلي وروحي .. أسافر مع الحكاية .. أضحك مع جحا وأبكي مع العاشقين اللذين صارا ياسمينتين ترقد بينهما عوسجة). وتمضي الشاعرة بالوصف معبرة عن البيئة التي احتضنتها وشخصية أمها التي تطل بقوة: «هكذا حكاية إثر حكاية وخرافة مع خرافة، ترسم أمي مسارب وطرقاً وتفتح لبنتها باب الكلمات موقنة أن هذه الحواء حاملة شعلة».
وتستذكر القمودي يوميات (حوشهم) العربي حيث تختبئ في ركن من السدة مخفية بين ركبتيها كتاب بحجم كبير، بني اللون تلتهم عيناها بعض الحروف وتقرأ جملا تحاول أن تدرك معناها، تواصل الحكاية ثم الأخرى لكن ينتابها خوف إكمال الرحلة والسبب بحسب تعبيرها «لأني لم أعد أنا»، كان الكتاب هو «ألف ليلة وليلة» وكانت حواء آنذاك في الصف الخامس الابتدائي. عبرت حواء مفازة اللغة وأحبت تلك الغابات الواسعة.

وتستمر الشاعرة في استدعاء ذاكرتها مع الحروف في محطة زمنية ترجع بها إلى السنة الرابعة ابتدائي؛ حيث تلتقط أصابعها من كتب أخيها الأكبر كتاباً صغيراً وهو رواية «الزنبقة السوداء»، ربما أغراها العنوان كما وصفت أو رسماً على الغلاف واسم مؤلفها «اليكسندر دوماس»، ثم تقفز شهية القراءة إلى مجلة «الشورى» ومنها تتابع الذائقة شغفها مع السرد في قصة للكاتب عمر الككلي عنوانها «وكانت الشمس شاهد عيان» كان لها أثر بالغ في نفس الشاعرة من خلال كرهها للعسكر.
تحيلنا حواء القمودي مرة أخرى إلى رواية «الزنبقة السوداء» تتذوق اللغة وتنظر للكلمات التي تبني حياة أمام عينيها «روزا وكرينيوليوس» ابنة السجان والسجين عاشق الزنبقة الذي اتهم بالتآمر حيث يخبئ بذور الزنبق في ورقة لن يقرأها لأنه يخاف على هذه الرقة أن تضيع، فالزنبقة السوداء هي حلة العالم الذي سيغدو عاشقا، إنها قصة تقرؤها في كتاب مطالعة تمهد هذا الطريق (الكتابة) الذي يناديها منذ دخلت الشاعرة عالم الزنبقة.
نظرة في أبيات أحمد رفيق المهدوي
كما تحلق القمودي في رحلتها مع القراءة داخل عوالم القصيدة وتحديداً في أبيات أحمد رفيق المهدوي عبر التأمل والتفكر. الشاعرة تبني فهمها العام في محصلة تصفها بالقول «أحببت الكلمات، عرفت أنها ترسمنا تحكي تفاصيلنا، تترجم أفكارنا، عرفت أن هذا الطريق لي وأني حتماً سأمشي وأركض وأحلق، أني سأرسم هذه الكلمات وسأغدو كاتبة».
الكتابة وسؤال الحرية
من جانبها أشارت الصحفية والكاتبة فتحية الجديدي إلى أن كتاب «الحرية في أدب المرأة» قدم دراسة لمفهوم الحرية على المستوى «الموضوعي»، المفاهيم التي امتلكتها المرأة والوعي لديها «النقد والرؤية» الذي ينطلق من هم الإنسان المتطور المتجدد، من خلال الدخول لعالم المرأة، وكيف تقدم نفسها؟ واختياراتها في تحقيق الذات في نصها أو المضمون الذي تقدمه، وأيضاً الحوار المزدوج من النص الأدبي إلى الواقع، أي موهبة الأديب ورؤيته والواقع. لكن هناك سؤال جرى طرحه من أحد النقاد، لماذا الحديث عن (حرية المرأة) وليس عن الحرية عموماً؟
تضيف الجديدي «هنا تولد لديَّ فضول في معرفة ما قد ينتج عن القراءات التي تناولها الفراج في كتابه؛ حيث أشار إلى أن المرأة تقدم مفهوماً للحرية شديد الخصوصية من معاناتها ووضعها في المجتمع، وتحركها ضمن عالم الرجل الذي تحتمي به وتثور ضده في آن واحد، فهو الخصم والسند، ملء الفراغ برجل يختصر كل القضايا والمبادئ، وبالتالي كانت الدعوة للاقتراب من حقيقتها بدل بقائها في الظل».
وواصلت الجديدي «لم يكن لديَّ وعي معرفي كافٍ لكل هذه التجارب وما جعلني أتمسك بهذا الكتاب وكان مؤثرا بالنسبة لي هو وجود السرديات المختلفة وشمل على العديد من هذه التجارب من قصص وروايات منها رواية «أنا أحيا» لليلى بعلبكي التي وصفت فيها حالة الاغتراب داخل الوطن، والجهل بالذات». وأيضاً رواية أيام معه لكوليت الخوري، حيث ظهر صوت الحرية للمرأة في قفزها على الواقع الاجتماعي، فيما تبحث الكاتبة ليلى عسيران في روايتها الأولى «لن نموت غداً» عن هدف كبير وفق الدائرة الطبقية الضيقة فكرياً واجتماعياً والتخلص من دوار اليأس والملل بالكتابة.
تعليقات