Atwasat

النائلي يقرأ «مرُ القدر» العربي باكورة أعمال د. محمد حسين محجوب الروائية

القاهرة - بوابة الوسط السبت 26 أكتوبر 2024, 04:10 مساء

العلاقة بين الشعبين العربيين - المصري والليبي - هي علاقة تاريخية مستدامة، صنعها التاريخ والمجاورة والعروبة، وتعود إلى زمن الفراعنة وزمن القبائل الليبية القديمة التي لم نعرف عنها شيئًا لولا الكتابات المصرية القديمة.

BCD Ad BCD Ad

هذه المجاورة الجغرافية التاريخية صنعت الكثير من القصص وكانت مدعاة لعديد الحكايات، فالمصاهرة بين أبناء الشعبين والتي كانت واضحة منذ النصف الثاني من عقد الستينيات من القرن الماضي زادت من أواصر العلاقة بينهما، وكانت مليئة في ذات الوقت بالكثير من ملامح الحياة الإنسانية، من الفقد والوجع والألم والفرح والحب والكره كغيرها من صنوف الحياة الأخرى.

 ورواية «مرُ القدر» لمؤلفها الليبي الدكتور محمد حسين محجوب أستاذ الفلسفة بجامعة بنغازي تطرح هذه العلاقة بين الشعبين؛ من خلال قصة أم مصرية تدعى سماح البحر أو هند لم ترَ ابنها الليبي أنور منذ عشرين عامًا.

حيث تركت هند ليبيا بعد وفاة زوجها الليبي «امراجع» في جمهورية أوغندا والذي ابتلعه تمساح هناك، عندما كان ضمن جنود الجيش الليبي الذين شاركوا في الحرب الدائرة هناك بين تنزانيا وأوغندا عامي 1978 – 1979 وانتهت بالإطاحة بنظام عيدي أمين، حيث التقت هند ابنها أنور صدفة على جسر ستانلي بالإسكندرية دون أن يعرفا بعضهما، ليبدأ الحوار وتبدأ الحكاية بدافع من الحاسة السادسة الغائرة في روح بعضيهما والتي تقول إنهما ابن وأم وليسا شخصين عابرين. 

حيث بدأ اللقاء بحديث عابر ثم بلقاء في مقهى البارون في الإسكندرية ليزداد الشك بعد ذلك حول علاقة بعضهما ببعض بأنهما ليسا غرباء عن بعضيهما، حيث أصبح كل واحد منهما مشغولًا بمقارنة ملامح الوجه الحالي للآخر بشكله قبل عشرين عامًا، حيث قام كل واحد منهما بالاتصال ببعض ممارسي مهنة التصوير في الإسكندرية دون علم الآخر لمعرفة وجه الشبه بين الصورة القديمة والتي كانت تضم صورة الأب امراجع والأم هند والابن أنور بصورة من قابله حاليًا.

عندما يروي الفيلسوف.. قراءة في رواية الدكتور محمد محجوب (مُر القدر)*
توقيع «المرآة و الصورة» للكاتب الصحفي عبدالسلام الفقهي
مناقشة «حرب الغزالة» لعائشة إبراهيم بمعرض القاهرة للكتاب

لتنتهي الرواية بتوصل الابن والأم إلى الكثير من المعلومات والمقارنات والتي تؤكد علاقتهما ببعض، ولكن دون حدوث مصارحة تقطع الشك باليقين، ليترك المؤلف تكملة القصة في الجزء الثاني الذي انتهى منه الكاتب أثناء كتابة هذا المقال.

ويتضح من خلال بعض الحوارات في الرواية أن النفس القومي واضح جلي ومباشر في ثنايا الرواية، خاصة في الحوارات التي كانت بين أنور الليبي بطل الرواية وعمه مراد المقيم في مصر، وتحديدًا في العامرية بالإسكندرية، حيث تحدّث العم مراد عن وحدة الشعوب العربية وأن العدو هو غير العربي، مثل الفرس الذين احتلوا مصر وشرق ليبيا والأتراك الذين احتلوا لواء الإسكندرونة العربي والصهاينة الذين احتلوا منطقة الرشراش، دون تفرقة بين هؤلاء الأعداء، فيتساوى التركي مع الصهيوني فهم في ذات الدرجة، حيث كان العم يقدم رؤيته للابن الذي كان منصتًا دون أن تكون له وجهة نظر.

وفي البناء القصصي والمنطقي للرواية لم يوضح الكاتب لماذا لم تفكر هند بابنها إلا عندما رأته فوق الجسر، ولماذا تركته في ليبيا ولم تحاول أن تتصل به طيلة هذه المدة، كما أن بناء القصة لم يتطرق لشخوص من أسرة والد البطل أنور باستثناء حديث عابر عن عمته، واقتصر الكاتب على أحد أصدقاء والده منصور الزنتاني والذي التقاه في المقهى ليصف له أمه بأنها ذات الخال لتصبح إحدى العلامات الاسترشادية الدالة على أمه فيما بعد.

 حالة التشرذم العربي
 وهذه الرواية في إحدى قراءاتها التأويلية تشير إلى حالة التشرذم العربي، فقوة العلاقة بين الأم المصرية والابن الليبي من جهة وبين العم المقيم في مصر وابن أخيه المقيم في ليبيا من جهة أخرى هي ذاتها بين الدول العربية التي تجمعها اللغة والتاريخ والجغرافيا ولكنها ممزقة، رغم أنها متقاربة جغرافيًا ويلتقي مسؤولوها كل يوم، والكاتب كان حريصًا على استخدام مفردة «الوطن العربي» على لسان العم بدلًا من الدول العربية، رغم أنها في زمن أحداث الرواية لم يعد لها مكان في الذهنية العربية، التي انقادت وراء القُطرية الضيقة، فهل لأن عم أنور كان قوميًا وكبيرًا في السن ومن بقايا تأثير المدّ القومي لينطبق الصدق الفني عليه؟

المسار القصصي
هذا العمل الروائي هو أول عمل روائي يكتبه الدكتور المحجوب، الذي اعتاد اللغة العلمية المتخمة بالمعلومة والتحليل والحجج، وهذه الروح العلمية تسربت في بعض سياق سرد الرواية، والتي يجب أن تحكمها الأدبية والفنية قبل طرح المعلومات وأن تكون المعلومة خاضعة لاحتياج السرد، حيث نلاحظ جرعات من السرد لمعلومات تبتعد في بعض مناحيها عن الشرط الفني للبناء الروائي من حيث الحجم، مثل الحديث عن الحرب الأوغندية أو منطقة أم الرشراش أو لواء الإسكندرونة أو علم الوراثة، مما أبعد القارئ عن متعة السرد والدهشة والرغبة في تلقف القادم الحكائي، كما أن الكاتب لم يكن منحازًا لمنح هذا النص الروائي الكثير من التفاصيل السردية أو الواصفة للشخوص والمشاهد والأفعال، حيث تبدو بعض المشاهد مفاجئة للقارئ، ففي بداية الرواية المكونة من أربع وعشرين لوحة، نرى أن المرأة الأربعينية تقول للشاب العشريني بعد التعارف مباشرة إني أشعر نحوك بشعور لم أشعره منذ عشرين عامًا، ووفقا للثقافة المشرقية بل والإنسانية نحتاج إلى وقت من الحديث حتى نشعر بهذه المشاعر لنقولها، فاستطالة الحديث تمنحنا الغوص في نفوس الآخرين، وحتى في حالة الوصول إلى هذه الحالة الروحية تمنعنا ثقافتنا من الإعلان عنها إلّا بعد وقت، كما أن الكاتب حاول أن يكون المسار القصصي متمثلًا في مسار واحد وهو مسار أنور وهند ورحلة البحث المتبادلة، ولم تكن هناك مسارات قصصية أخرى موازية.

إن هذا العمل يتحدث عن الكثير من الأسر الليبية المتكونة من المصاهرة بين الليبيين والمصريين، وشاءت الظروف أن تبتعد عن بعضها، فالكثير من الليبيين وخاصة في المنطقة الشرقية أخوالهم من مصر وهناك بعض المصريين أخوالهم من ليبيا، وهي علاقة مصاهرة طبيعية تصنعها المجاورة، مثلما يحدث بين كل الدول المتجاورة، وهي فرصة تقدمها النصوص الأدبية لطرح معاناة هذه الشريحة خاصة عندما تواجه الانشطار مثلما حدث بين امراجع وسماح البحر (هند).

كذلك لطرح بعض جوانب رفض الآخر في مجتمعاتنا الذي يزداد تضخمها النرجسي إلى مرحلة ازدراء الآخر، ففي مجتمعاتنا العربية نفضل أن يكون الأب والأم من الدولة نفسها، خاصة في الدول التي تغلب عليها الصبغة البدوية القبلية، والتي تفضل أحيانًا أن يكونا من نفس القبيلة، فاختلاف العادات واللهجة تجعل من عملية الاندماج صعبة وتحتاج إلى وقت، وتؤدي إلى انخفاض تقدير الذات (Self esteem)، خاصة أن بعضها يمنع دخول بعض المؤسسات أو تولي بعض المناصب لمن أمهاتهم أجنبية رغم أنها عربية، أو أن يتقبل زواج ابنته من غير أبناء بلده ويعتبره زواجًا من الدرجة الثانية.

بالإضافة إلى تكوين صور نمطية (Stereotype) عامة عن الآخر، حيث نرى مثلًا في هذه الرواية «مرُ القدر» كيف تنظر زوجة عم بطل الرواية أنور إلى الليبيين، حيث قالت عنهم «إن القليل منهم الدقيق والمتقن لعمله والملتزم بالقوانين»، وهي تقدم الصورة التي يبدو أن الكاتب التقطها من الواقع المتخيل لدى المصريين، رغم أن عم أنور من جانب آخر حاول أن يقدم الحالة المثلى في المخيال العربي حول العرب بصفة عامة، وفي ذات الرواية ومن جانب آخر نرى بطل الرواية أنور الليبي يقدم الصفة المعاكسة السلبية تجاه المصريين عندما يتذكر نصيحة عامل مصري قال له: «لا تصدق اسمًا لمصري إلّا أذا رأيت جواز سفره»، وكأنه يشير في أحد التفسيرات إلى صفة الكذب، وهي قضية اعتيادية تصنعها كل ذات نحو الآخر.

شخوص ترتبط بالبيئة
اختار الباحث أسماءً لشخوصه ترتبط بالبيئة التي يعيشون فيها، فوالد بطل الرواية اسمه «امراجع»، وهو اسم ليبي متعارف عليه في ليبيا دون غيرها، وهو يعكس محلية وجذور الوالد، بالإضافة إلى اسم صديق الوالد «منصور الزنتاني» فكلاهما يرتبط بالمكان والإقامة، بينما نجد أن اسم عم البطل هو «مراد»، وهو اسم حديث نسبيًا في الثقافة الليبية، وهنا دور المكان والعلاقة بالاسم باعتباره مقيمًا في مصر، فهو أقرب لمصر من ليبيا، أمّا اسم والدة البطل فهو من الأسماء النادرة حتى في مصر وهو «سماح البحر»، وهنا تحضرني معلومة مرتبطة بالإدراك البشري، مفادها أن الأسماء أو المثيرات النادرة هي التي تبقى في الذاكرة، فهو اسم يليق بالنص الروائي وأنوثة البطلة، ليمنحها جمالًا متخيلًا لدى القارئ.

المشروع الروائي الأول
هذه الرواية هي باكورة أعمال الدكتور المحجوب الروائية وهو المشغول منذ عرفته بمشروعه العلمي الفلسفي، الذي منحه الوقت الكثير والابتعاد عن الأسرة؛ ليكون ملاصقًا لمحراب العلم، ها هو صار اليوم مشغولًا بهذا التحدي الكبير وهو بناء العوالم الروائية المتخيّلة التي ترصد آهاتنا وأفراحنا من خلال فعل القص والحكي؛ ليجعل هذه الوقائع ضمن شروطها الفنية وملامحها المحلية، متناثرة بين بني الإنسان، الذين ينتظرون دهشة ومتعة القصّ من خلال الآخر. فمرحبًا بروائي على جادة طريق الأدب، يلتقط مشاعرنا ليسكبها حبرًا على أوراقنا، ونتمنى أن نرى هذا العمل نصًا دراميًا مسلسلًا، يناقش هموم هذه الفئة وحياتها من خلال القصص التي تعجُ بها حياتنا ويجمع الفنانين المصريين والليبيين في عمل فني مكتمل الأركان، فالذي يجمعنا أكثر بكثير من الذي يفرقنا.

أحمد عمر النائلي

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
الحكم بالسجن 30 شهرا على مخرج أميركي بتهمة الاحتيال على «نتفليكس» , كارل رينش
الحكم بالسجن 30 شهرا على مخرج أميركي بتهمة الاحتيال على «نتفليكس»...
اكتشاف مستوطنة متكاملة ومقابر من عصر «الهكسوس» في مدينة الإسماعيلية المصرية
اكتشاف مستوطنة متكاملة ومقابر من عصر «الهكسوس» في مدينة ...
النيابة العامة تعلن موعد الدورة الثالثة لمعرضها الدولي للكتاب 2026
النيابة العامة تعلن موعد الدورة الثالثة لمعرضها الدولي للكتاب ...
حل «فرقة أجيال للمسرح والفنون» يشعل جدلًا واسعًا في ليبيا.. فنانون ومؤسسات ثقافية يرفضون القرار
حل «فرقة أجيال للمسرح والفنون» يشعل جدلًا واسعًا في ليبيا.. ...
بحضور رسمي.. العرض الخاص للفيلم الوثائقي «شاشات منسية» يحتفي بتاريخ السينما الليبية بجامعة طرابلس
بحضور رسمي.. العرض الخاص للفيلم الوثائقي «شاشات منسية» يحتفي ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم