Atwasat

عندما يروي الفيلسوف.. قراءة في رواية الدكتور محمد محجوب (مُر القدر)*

نجاح بن زائد الجمعة 21 يونيو 2024, 01:51 مساء
نجاح بن زائد

حملتني الرواية رأسًا إلى رائعة الفيلسوف الفرنسي فولتير (القضاء والقدر) التي قدم لها عميد الأدب العربي طه حسين، ورغم أن فولتير انتقد من خلال روايته هذه الحياة الأوربية بشكل عام والحياة الفرنسية على وجه الخصوص، إلا أنني لم أجد صعوبة في إدراك تلك التقاطعات بينها وبين هذه الرواية (بصرف النظر عن اختلاف الشخوص والزمان والمكان وطبعًا اختلاف النهاية).

كيف لا، وكلاهما من القصص الفلسفي الذي يحمل رسائل بليغة عن حقوق الإنسان والمساواة والحرية والتسامح وغيرها من القيم الفكرية والسياسية والأخلاقية والاجتماعية.

الرواية ما هي إلا شكل من أشكال الأدب الغاضب كما يطلق عليه الروائي العراقي (علي لفتة سعيد)، التي تكون فيها الكتابة ردة فعل غاضبة على الواقع، لأن الكاتب وجد نفسه واقعًا في فعل قوي أكبر من أن يستوعبه الواقع الاجتماعي، وواقع في خضم التناقضات المجتمعية التي سببها المتغير السياسي، والديني، والمذهبي وحتى القومي، حيث الكل يدعي أنه في المكان الأفضل والأنسب لتكون باقي الأمكنة الأخرى مجرد توابع!

ما يميز رواية (مرّ القدر) فضلًا عن بساطة اللغة وسلاسة الأسلوب، هو تلك الأطر الزمانية والمكانية والتاريخية والاجتماعية والثقافية التي رافقت وصف المدن والأماكن. وهي ميزة لا تحضر دائمًا في النسج الفني الغالب على السرد الروائي.
جاء في المقدمة أن هذه الرواية لا تجادل في مسألة القدر من الجانب الديني، بل هي لحظات من الحيرة تجتاح روح الإنسان، وكيف يقض الإنسان حياته متفكرًا، وكيف يشل القدر حركته بهذا الموت المؤجل.

هذه الحيرة التي تتحدث عنها الرواية وهذا القدر(الجاني) وهذا القلق لازمَ الإنسان منذ القدم، فوجدناه حاضرًا وبقوة في الميثولوجيا القديمة.. وجدناه عند جلجامش الذي عانى من سطوة القدر الذي حطم حلمه في الخلود المادي، ووجدناه عند اليونانيين القدامى الذين صوروا القدر في أساطيرهم ومروياتهم غاشمًا ظالمًا يجني الذنوب على الناس، لا بل يستدرجهم للزلل.

وهي ذات الفكرة التي طُرحت منقحة في المذاهب الفلسفية اللاحقة، وها هو اسبينوزا يقول إن كل شيء يصدر عن طبيعة الجوهر السرمدي (وهو الله) يقع في الدنيا إنما كان لابد أن يقع كما وقع وأن ما يبدو شرًا سببه أننا محدودو المدارك.

ذات الفكرة الفلسفية طُرحت بطريقة أو بأخرى في الكثير من الروايات العربية، وهنا أقف عند الكاتب المغربي محمد شكري الذي طرح بطريقة لافتة فكرة هشاشة الحياة الإنسانية، وحتمية الموت دون أن يجد أجوبة مقنعة لا عن العدل ولا عن حقيقة الموت. يقول محمد شكري في روايته (الخبز الحافي):

«لماذا لا يعطينا الله مثلما يعطي لبعض الناس؟ هكذا سألت أمي فأجابت الله هو الذي يعرف نحن لا نعرف، لا ينبغي أن نسأله عما يعرفه هو خيرًا منا» كما كتب يقول: «لماذا يموت الإنسان؟ فتجيب الأم لأن الله يريد ذلك، فيستمر في السؤال: أين يذهب من يموت؟ فترد عليه الأم إلى الجنة أو النار؟».

استطاع محمد شكري، رغم كل شيء، في روايته تلك أن يكشف المستور عن جوانب عديدة في الإنسان، وفتح المجال لألف سؤال وسؤال حول الخير والشر والكمال والنقصان والغريزة والثقافة والعدل والظلم والألم والموت والحياة.

وهي ذات الأسئلة التي فاضت من السرد الهادئ للأحداث في رواية (مُر القدر)، حتى وإن لم يكتبها المؤلف مباشرةً، وهي ذات الأسئلة التي تحيطني بغربة وصفتها أحلام مستغانمي في روايتها (عابر سرير) بقولها «فالغربة يا رجل فاجعة يتم إدراكها

على مراحل، ولا يستكمل الوعي بها إلا بانغلاق ذلك التّابوت على أسئلتك الّتي بقيت مفتوحةً عمرًا بأكمله، ولن تكون هنا يومها لتعرف كم كنت غريبًا قبل ذلك؟ ولا كم ستصبح منفيًّا بعد الآن؟».
الوجع هو بطل الرواية.. وجع الفقد.. وجع البعد.. وجع القدر.
وجع أنور في (مرّ القدر) هو نفسه وجع زديج في رواية القضاء والقدر. الوجع هو الوجع لأي سبب كان.

أما عن أمنية الراوي في مستهل الرواية، أن تنال الرواية رؤية للقلب تتجاوز رؤية العيون المفتوحة، فأقر بأني قرأتها بعيني، وأدركتها بقلبي، وفتحت لي بابًا تصطف أمامه أسئلتي تنتظر دورها للخروج.

للمؤلف قلم رشيق يقفز من البسيط إلى المركب، اصطحبني من بساطة وعمق الشعور في اللوحة الأولى، إلى الأسئلة المفخخة في اللوحة السابعة «سأل أنور الرفيق سؤالًا واحدًا: كيف أنتم هنا؟ فأجاب الرفيق نحن يا صديقي أوصال متقطعة وأنفس زاهقة، وأسر حائرة نعيش الانتماء وضده، نأتي من بلادكم بالرزق».

ذكرني هذا الحوار بنص للصادق النيهوم يقول فيه: «لماذا يبدو العالم عدائيًا هكذا؟ ولماذا أنا هنا على أية حال؟ وأين ليبيا؟».

في اللوحة الرابعة عشرة تقول نعمة عن الليبيين: قليل منهم الدقيق في عمله والتزامه بالقوانين!! جملة تستحق الوقوف عندها مطولًا.

أواصل قراءة اللوحات وأتمهل لأقرأ بتمعن ما جاء في اللوحة الثامنة عشرة «التاريخ ليس ملك الشعوب وحدها». كم وكم من فكرة تتشظى من هذه الحقيقة!

بينما تختصر المشهد اللوحة الثانية والعشرون بجملة «نحن نعيش اليوم عدم الاستقرار وما يترتب عليه من ضياع الوطن وتشرد الأسر».. وفي جملة أخرى «قلة معلومات العرب عن الآخر».

في اللوحة الثالثة والعشرين تأكيد على القيم التي ربما أضعناها في وقتنا الحالي.. «الجدة رمز للجيل الذي عاش القسوة والتضحية والفقد ولكنه لم يهزم في ذاته».

بالفعل هزيمة الإنسان تبدأ من داخله.

نأتي لشخوص الرواية.. كان الراوي موفقًا جدًا في رسم الملامح الرئيسية للشخصيات وبشكل بسيط جدًا، يتناسب مع تنوع مسرح الأحداث واختلافه ما بين بنغازي، الإسكندرية، وغريان.

أخيرًا.. كتب الراوي يقول إن روايته هي فكرة باحث حاول أن يرسم من الحروف لوحة فنية، وأن الباب مفتوح للانتقادات..

أقدر جدًا وصف الكاتب لعمله هذا بالمحاولة وردي سيكون نصوصًا من مراسلة بين الصادق النيهوم وصديقه خليفة الفاخري:

كتب النيهوم للفاخري يقول: «أردت أن أجعل كلماتي تضيء... وقد أعطيتها مهلة كاملة لأني ظننت أن الحروف مثل ثمار الشماري تحتاج إلى وقت لكي تنضج.. وعندما قرأت مرة أن الكلمات تتغذى على التجارب، هرعت كالمجنون أجوب الأرض والأحداث وأبحث عن التجارب».

ليرد الفاخري: «الجري خلف قطعان الكلمات شاق وطويل ودائب، إنه عذاب متصل يحفر قلبك طوال الوقت، ويدعك تتعامل مع النار مثل أحد الحواة من دون أن تلتقط أنفاسك أو تنعم بلحظة رضا مدى العمر».

رواية (مُر القدر) هي جري وراء التفاصيل لأن الراوي فيلسوف ولأن الفيلسوف مصاب بورطة الانتباه المفرط.

* الرواية قيد النشر.