من أبرز أخطاء مؤسسات الجوائز الأدبية العربية وإداراتها ولجانها، أنها تعمل بلا خارطة منهجية علمية تحتكم إلى الوعي بالمسؤولية الثقافية ومراعاة تأريخ القيمة المعنوية لجوائزها ومصير فائزيها وأن لا تكون بآلياتها الحالية عائقاً، دون أن تدري، أمام حركة الإبداع الأدبي وتطويره، والتشجيع على الكتابة والنشر.
ربما كانت الأخطاء الأكبر في الجوائز «التشجيعية» للرواية كونها تتأسس على فكرة المسابقات وتعتمد على اجتهاد لجنة تحكيم «قاصرة» من خمسة أعضاء لا يمكن لها بأي حال تقييم عشر روايات مثلاً استلمتها اللجنة دون سواها في سنة نشر واحدة غزيرة بالإصدارات الروائية شرقاً وغرباً، وبنتائج القائمتين، الطويلة والقصيرة، تنتهي المسابقة بفوز أحد هذه الأعمال وتخسير الأعمال الأخرى التي في المقابل قد تكون الأفضل وكان حاز بعضها على ثقة نقّاد في قراءات نقدية عميقة واكبت فترة صدورها.
جوائز التتويج «التكريمية»
أما جوائز التتويج «التكريمية» التي تمنحها الدول والمؤسسات الكُبرى والأكاديميّات عن أعمال أدبية لافتة نالت نصيبها من القراءات النقدية، وعن أعمالٍ أخرى لم يلتفت إليها النقد كثيراً، وقد يكون كاتبها قد رحل عن الدنيا، فإنها جوائز تقدير لمسيرة عطاء، وهو التكريم المُستحق الذي يليق بكاتب العمل وبالمؤسسة المانحة. وكان من اللافت في الجوائز الأدبية العالمية أن ينال «غابرييل غارسيا ماركيز» مثلاً «جائزة نوبل» عن رواية «مائة عام من العزلة» بعد عقد ونصف من نشرها في العام 1967، وبعد عددٍ من الروايات المهمّة التي نشرها ماركيز، ومن بينها «خريف البطريرك» العام 1975، و«قصة موت مُعْلَن» العام 1981، بمعنى أن الأكاديمية السويدية كانت تضع في اعتبارها اختيار الأعمال ذات القيمة الفنية الخاصّة دون جديد الكاتب وأعماله اللاحقة على أهميتها.
والسؤال: لماذا «مئة عام من العزلة» وليست «خريف البطريرك» أو «قصة موت معلن» أو حتى «الحُب في زمن الكوليرا»؟.. كان السؤال عالقاً لأهمية الرواية بواقعيتها السحرية التي لاقت رواجاً كبيراً عند صدور طبعتها الأولى العام 1967 بثلاثين مليون نسخة ونُشرت تباعاً إلى ثلاثين لغة عالمية، فلم تكن الرواية بحاجة إلى دعاية بنيلها جائزة «نوبل» بمزاياها العالمية، من إعادات طبع وترجمات، وإنما نالت الجائزة لقيمتها الفنية العالية. وهنا تبدو الجائزة العالمية، بعكسها في البلاد العربية، متحرّرة من سيطرة الدولة ومحاباة لجان التحكيم ومن تمظهرات رجال المال والأعمال والأمراء المانحين لها كتسلية موسمية باذخة أساءت للأدب وللثقافة العربية وأخلاق الكِبار!
- إقرا المقالات السابقة من سلسلة أدب الجوائز.
قبِل الكولمبي «ماركيز» الجائزة ولم يرفضها كسابقيه مثل «جان بول سارتر» الفيلسوف والروائي والكاتب المسرحي الفرنسي، و«جورج برنارد شو» الكاتب الآيرلندي الساخر الذي كان أول من رفض الجائزة ووصفها بأنها «أشبه بطوق نجاة يُلقى به إلى شخص وصل فعلاً إلى برّ الأمان ولم يعُد عليه من خطر».. ورغم قبول «ماركيز» بها إلّا أنه كان من أهم المنتقدين لها في العديد من المقابلات والحوارات الصحفية التي أجريت معه بعد نيلها، وقد لخّص رأيه التاريخي في مُجمل جوائز نوبل للآداب في مقال بعنوان «العظماء الذين لم يكونوا كذلك أبداً» فيستهل ماركيز مراجعته لإخفاقات لجنة نوبل بحالة أديب روسيا العظيم «ليو تولستوي» صاحب رائعة «الحرب والسلام»، الذي مات في العام 1910 من دون أن ينال الجائزة حتى في ذروة الاهتمام العالمي بتلك الرواية الرائدة التي تُرجمت وأعيدت طباعتها بمستوى لم يسبقها إليه أي كِتاب آخر.
ويقول ماركيز: «إن الوحيد الذي بقي حياً في الذاكرة الإنسانية من العشرة الأوائل الحائزين على الجائزة، كان الإنجليزي «روديانغ كيبلنغ»، أما أول من حصل عليها، فهو الفرنسي «سولي برودوم» وكان واسع الشهرة في عصره، لكن كتبه لم تعُد موجودة الآن سوى في بعض المكتبات المتخصِّصة جداً». وبنبرته الساخرة التي اشتهر بها، يقول «ماركيز» إن أحد أولئك العشرة الأوائل وهو الفرنسي «فريدريك ميسترال» كان له الشرف المُحزن بتقاسم الجائزة مع واحد من أكثر الكُتّاب المسرحيين مدعاة للرثاء، وهو «خوسيه اتشيغاري» عالم الرياضيات اللامع.. ويعدِّد ماركيز في مقالته بعض أشهر الأسماء التي رحلت من دون نيل الجائزة رغم استحقاقهم لها وذهابها إلى غيرهم ممّن طواهم النسيان، ومن أبرز أولئك «المظلومين» كان مارسيل بروست، وفرانز كافكا، وجوزيف كونراد، وجيمس جويس صاحب رائعة «أوليسيس» التي يصفها ماركيز بأنها بدّلت مسار الرواية في العالم!
يرى «ماركيز» أنه في الفترة ما بين الحربين العالميتين لم يُخلَّد من بين فائزي نوبل سوى أربعة فقط من بين 14 فائزاً، وهم «موريس ميترلينك» و«رومان رولان» و«أناطول فرانس» و«جورج برنارد شو»، لكنه يقول عن فوز الشاعر الهندي «رابندرات طاغور»: «ندين له بدموع كثيرة من حلوى السكاكر، فقد جرفته رياح اللعنة العادلة مع البلجيكي «كنوت هامسون» الفائز بجائزة العام 1920، والذي لقي المصير نفسه رغم أنه أقل جدارة من طاغور».. ويرى ماركيز في رأي جريء أن أياً من الفائزين في تلك الحقبة «لم يكن منهم من يستحق الجائزة مثل أولئك الذين ماتوا وهم يستحقونها»!
ويشكّك ماركيز أكثر في عدالة لجنة نوبل، خاصة لعدم ذهاب الجائزة لعملاقين آخرين، هُما «هنري جيمس» و«جوزيف كونراد»، رغم أنهما كانا يُعتبران خلال حياتهما من أكبر كُتّاب الإنجليزية الكلاسيكيين. غير أنه ينتهي إلى أن «الأكاديمية السويدية» لا ترتكب أفعالاً طائشة، فإحدى الخصائص التي لا بدّ من الإقرار بها هي طبيعتها المتطرِّفة في صرامتها، فهي لا تخاف من ارتكاب أخطاء وهي تخطئ كثيراً بالطبع، وتمنح الجائزة مرة واحدة فقط عن عمل حياة المرء كاملاً، ويبدو أنها ترى أن من يتفوّق في العلم لا يمكن أن يتفوّق كذلك في الآداب. ويوضح أن التضارب الوحيد، الذي أقدمت عليه اللجنة ولن تعود إليه، كان تخصيصها جائزة بعد وفاة صاحبها عندما منحت نوبل الآداب 1931 للشاعر الأكثر شعبية في السويد «أكسيل كارلفيلدت» الذي كان قد رفض نيل الجائزة في العام 1918 ليتم حجب جائزة ذلك العام، وما لا يستطيع أحد تفسيره، هو سبب عدم اتخاذ نفس الإجراء عندما رفض «بوريس باسترناك» جائزة العام 1958 و«جان بول سارتر» جائزة العام 1964، فقد استمرّت في اعتبارهما فائزيْن بالجائزة رغم نفيهما».
خوف ميتافيزيقي من نوبل
ويتطرّق (العم غابو)، كما يحلو لمريديه تلقيبه، إلى خرافة شائعة بين الكُتّاب هي أن الجائزة لا تأتي سوى قبل الوفاة، «وأعرف عدداً كبيراً من الكُتّاب لا يشعرون بلهفة لنيلها، وإنما على العكس يستشعرون خوفاً ميتافيزيقياً منها بسبب الاعتقاد السائد بأن لا أحد يعيش أكثر من سبعة أعوام بعد نيل جائزة نوبل للآداب.. والإحصاءات لا تؤكد ذلك ولا تنفيه أيضاً». ويشير ماركيز في الأثناء إلى أن 22 كاتباً توفوا في غضون تلك المدّة «غير أن هناك تفسيراً منطقياً هو أن متوسِّط العُمر عند نيل الجائزة العام 64 عاماً، وبالتالي فإن موت الفائزين في السنوات السبع التالية هو احتمال وارد إحصائياً»، متأسياً على استثناء مُحزن هو الفرنسي «البير كامي» الذي حصل على الجائزة وهو في الـ 44 وتوفي بعدها بعامين «في حادث سيارة كان يقودها قدر ربما لم يكن قدره»، حسب تعبيره.
والغريب أن رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، ونستون تشرشل، مهندس هزيمة النازي في الحرب العالمية الثانية حصل على جائزة نوبل للآداب في العام 1953 عن مؤلفاته في التاريخ الإنجليزي والعالمي. ويكمل الساخر الكبير «غابرييل غارسيا ماركيز» تهكمه بنقله عن الفيلسوف الفرنسي «جان بول سارتر» قوله عندما سئل عمّا إذا كان نادماً على رفضه الجائزة، «على العكس تماماً فقد أنقذ ذلك حياتي»، ويخلص «غابو» إلى القول بسخرية، «لكن المثير للقلق أن سارتر توفي بعد ستة شهور من قوله ذلك!
نوادر جائزة نوبل
ولا يركِّز الكولمبي «ماركيز» في قراءته لسجلات نوبل على جائزة الآداب وحدها، وإنما يعرِّج كذلك على العلوم، مشيراً إلى نوادر الجائزة، ومنها فوز «ماري كوري» بجائزة الفيزياء في العام 1903 مناصفة مع زوجها «بيير»، ثم فوزها بها بمفردها العام 1911، وهذه المرة في الكيمياء.
كما تقاسم الأميركي «جون بارديم» جائزة الفيزياء في العام 1956 لاكتشافه تأثيرات «الترانزستور» ثم تقاسمها ثانية في العام 1972 لدوره في تطوير نظيرة الموصلية الفائقة. كما فاز البروفسور «لينوس بولينغ» بجائزة الكيمياء في العام 1945 قبل أن يفوز بجائزة نوبل للسلام في العام 1962.. ويتابع قائلا إن العبقرية الفذة «ألبرت آينشتاين» استحق الجائزة مرتين في الفيزياء، لكن اللجنة منحتها له مرة واحدة «فالمكلفون عن الفصل بجدارته اتخذوا احتياطاتهم لخشيتهم من أن تكون النظرية النسبية زائفة، فمنحوه جائزة الفيزياء على اكتشافه قانون الظواهر الفوتوكونية»!
تبدو الجوائز عظيمة وفارقة عندما تكون قليلة ولافتة في حياة فائزيها لتخليد أعمالهم بعد موتهم، فتكون صفة «الحائز» علامة تميّز لجهدهم الإبداعي في الحياة، ولقيمة ما تركوه من أعمالٍ أضافت لمسيرة الإبداع الإنساني الذي نفتقده اليوم، للأسف، في بلادنا العربية، مع الشطح الفجّ لأدب المُتعة وسيل جوائز التسلية الرخيصة لأمراء الثقافة!
سالم الهنداوي
تعليقات