Atwasat

حسين المزداوي يقرأ: حكاية الجندي مسعود في أوغندا

القاهرة - بوابة الوسط السبت 10 أغسطس 2024, 04:23 مساء

صدر كتاب «التلامس مع الموت.. جندي ليبي في أوغندا» من تأليف الجندي السابق مسعود أحمد ديوبة، الذي يحكي فيه عن تجربته في البعثة العسكرية الليبية إلى أوغندا في العام 1979.

BCD Ad BCD Ad

يتصدر الكتاب، الذي يقع في 32 صفحة من القطع الصغير، تقديم لمفتاح عبيد سنسياني يقول فيه: «إن هذه القصة بمثابة بقعة ضوء على صفحات مخفية من تاريخ ليبيا الحديث، قصة تنبش حقبة أليمة أُخفيت من شدة ألم الحديث عنها، وطُويت نتيجة نقص المصادر، وتلاحق الأحداث المؤلمة على الأمة الليبية».

ولد مؤلف الكتاب مسعود أحمد ديوبة في ربيع العام 1957، حيث يبدأ الكتاب بتصوير يوم مولده في بلدة فسانو بمنطقة مزدة، وفرح الأسرة به، وقد تحوّل الفرح إلى خوفٍ وهلع على مصير الإبن الذي كاد أن يصير في خبر كان.

ولظروف عائلته المادية انقطع مسعود عن الدراسة ليلتحق بجهاز الشرطة، ولأنه الثاني على دفعته، فقد استبقاه مدير  دورة معهد الشرطة للعمل معه، فبقي حتى صدر قرار تعسفي بنقله إلى القوات المسلحة، مثلما كان يحدث في ذلك العهد، نُقل إلى معسكر الصاعقة في بوعطني ببنغازي، ليجد اسمه ضمن 101 عسكريّ، نُقلوا من مطار طرابلس إلى مطار الكفرة، والسبب كما قيل لهم - وكما يقول الكاتب - لتحرير طائرة مختطفة، فغادروا إلى تلك الوجهة، رغم أن الموعد الذي حُدد لزواج مسعود كان بعد شهر  من بداية تلك المهمة الغامضة.

الطريق إلى مطار عنتيبي
وفي يوم 15فبراير 1979 صعد مسعود ورفاقه الطائرة من مطار الكفرة، فطارت بهم لمدة ست ساعات حتى حطت في مطار عنتيبي بأوغندا: «في وقت متأخر من الليل نزلنا من الطائرة لأرض غريبة علينا».

ثم نقلوا إلى مقر الإقامة، يقول المؤلف: «تقدمنا لمواقع القتال خارج المطار بأسلحتنا المتوسطة والخفيفة في مواقع لا نعرف عنها شيئاً.. غابات في كل مكان.. عدو مجهول، فلا تستطيع أن نميز بين القوات الصديقة وقوات العدو المندسة.. ليس أمامنا سوى تحديد مصادر النيران والرد عليها.. استمرت المعركة في شدة وعنف حتى بدأ جنودنا يتساقطون بين قتيل وجريح، فأمرهم الضابط بالانسحاب باتجاه المطار الذي لا تزال فيه آثار عملية مطار عنتيبي الإسرائيلية من دمار وحرب».

حدث خلاف بين الضابط الليبي والأوغنديين وقال لهم: «نحن جئنا لحراسة عيدي أمين، ولم نأتِ للقتال».

كان طعام الجنود تمويناً جافاً، يوزع بين فترة وأخرى، وكنا - كما يقول مسعود - «نعيش في حالة توهان لأننا كنا نقاتل أشباحاً، وكانت قواتنا مخترقة من جميع النواحي، وقد نال منا البعوض، فكأنما جاء للفتك بنا، وكان كل جندي يحمل حقيبة مؤن فوق ظهره مع بندقية وأربعة مخازن وملابسه.. مع هذا كانت أسراب القردة مزعجة، لأن حركتها الليلية تجعلنا نعيش رعباً إضافياً، فليس من السهل تمييزها عن جنود الأعداء».

ويضيف «كانت معنا قوات فلسطينية مدربة تدريباً عالياً، إلا أنهم كانوا مفصولين عنا. في المقابل تواجهنا في إحدى المعارك مع قوات مصرية جاءت تقاتل مع القوات التنزانية العدوة، بل بادرتنا القوات المصرية بالشتائم والسباب.. ولم يكن لدينا مستشفى ميداني للجرحى والمرضى الذين ينقلون مباشرة إلى العاصمة للعلاج».

المزداوي يكشف سرًا في كتيب عريبي عن حرب فلسطين
فيلم عن خطف طائرة يسلط الضوء علي الصراع الإسرائيلي الفلسطيني
ندوة عن «العمالة المصرية في الحرب العالمية الأولى» بالمركز القومي للترجمة بالقاهرة

ويضيف الجندي مسعود: «بعد أيام من وصولنا اشتركنا في عدة معارك تحت ضغط القوات التنزانية والثوار الأوغنديين والانشقاقات المستمرة في قوات عيدي أمين، وإذا بنا نتفاجأ بوصول قوات ليبية أخرى غير متناسقة ولا مؤهلة. تهبط الطائرات.. فاذا بها وجوه قد كساها الرعب والحيرة والتعب، ينزلون ببطء من سلم الطائرة ويسألون ويكررون السؤال: احنا وين؟ وشن فيه هنا؟ وشن بيصير فينا؟ ونبوا نروحوا».

ويتابع المؤلف «كانت قد وصلت أعداد من قوات المقاومة الشعبية التي تحصّلت على الحد الأدنى من التدريب، وعلمنا أنهم تعرضوا للتضليل، حيث قيل لهم أنهم سيذهبون للاحتفال، فوجدوا أنفسهم في أوغندا، وفي كمبالا تحديداً».

وإذا كان الشيء بالشيء يُذكر، فإنني أتذكر المرحوم الكاتب أبو القاسم المزداوي بقفشاته ونكاته ومرحه، وهو يحدثنا عن أحد أفراد المقاومة الشعبية الذين وصلوا في بعثة إلى العاصمة الأوغندية، وعندما عرف أن المكان الذي سيقوا إليه يسمى «كمبالا»، أخذ يضرب يداً بيد ويصيح مفجوعاً:

- يا كمبالتي كمبالا.. يا كمبالتي كمبالا. وكأنه بتنغيمته المفجوعة يقول: «يا مصيبتي العظيمة».

«كانت الروح  المعنوية لأفراد المقاومة الشعبية في الحضيض، ونتيجة لضعف لياقتهم وتدريبهم، فقد أصبحوا صيداً سهلاً للقوات التنزانية والأوغندية فيقعون في الأسر بكل سهولة، الأمر الذي جعل الضباط يوزعونهم على الكتائب الأخرى، فأصبحوا عبئاً ثقيلاً عليها». كما يقول الجندي مسعود.

من المفارقات التي يذكرها مسعود في كتابه أنه التقى بقريب له يدعى فرج بن زهمة فطلب منه أن يبقى معه، ولكن بن زهمة رفض قائلاً: معايا رفاقة جاي ني وإياهم، فكيف يا مسعود تريد أن يترك بن زهمة زملاءه الآن؟

منذ ذلك اليوم لم يلتقِ بقريبه بن زهمة، فقد اختفى رحمه الله بعد إحدى المعارك، وكان هذا اللقاء آخر ما بينهما.

وهكذا استمرت حكاية الجندي مسعود إلى أن جاء يوم فكُلّف مع بعض رفاقه بحراسة طائرة ليبية من نوع «تي يو» تلك القاذفة العملاقة التي كانت تربض بجانب مهبط المطار الأوغندي.

برك الدماء لا تزال حية في ذاكرته
يستمر مسعود في سرد حكايته، التي لم يكتبها كلها، فقد اكتشفوا ذات ليلة وجود حركة غريبة قادمة من الغابة تختفي وتعود، فإذا هي أربعة من الأغنام التي أطلق عليها بعض الجنود النار، ففر بعض منها، وسقط بعضها الآخر، ومن هذه الأجسام التي سقطت وجد الجنود الليبيون جنديين أوغنديين مقتولين كانا متنكرين في هيئة خروفين، حيث كان هؤلاء الجنود يسيرون على أيديهم وأرجلهم.

يتنفس مسعود بعمق، ويتمتم بأن «الأمر شاخص أمامه كأنه حدث بالأمس، وأن أصوات الرصاص والصراخ والاستنجاد وبرك الدماء لا تزال حية في ذاكرته».

«عندما اشتد قصف العدو للقوات الليبية وأصبحت محاصرة، أصدر أحد الضباط الليبيين دون الرجوع إلى القيادة أمراً بالانسحاب، فانسحبت معظم القوة من المطار إلى الشمال، وأصيبت الطائرة في منظومة الأكسجين، وهنا قرر قائدُها الطيرانَ المنخفض تجنباً لمشكلة الاكسجين من جهة، ومن جهة أخرى لتجنب المضادات الأرضية للعدو، وطار بها حتى وصل بها إلى المطار السري بجنوب السودان الذي كان تحت سيطرة قوات عيدي أمين.. ولكن من سيحمي الطائرة حتى تقلع؟

 قام جنود الصاعقة بحمايتها، وبمجرد إقلاعها سقط المطار في يد قوات العدو، وهكذا لم يبق أمام فصيل الانتحاريين الذين أمّنوا الطائرة إلا القتال أو الانسحاب باتجاه الغابة، إلا أن وقوع فصيل من المخابرات الليبية في الأسر أربك الحالة، وسمح لقوات العدو بالدخول على تردد الإشارة، الأمر الذي سيكشف كل الاتصالات أمام العدو، إلا أن وجود بعض الجنود من الأصول الأمازيغية الناطقين بها مكّن ما تبقى من القوات الليبية من استخدام أجهزة الاتصالات، حيث صعب الأمر على المخابرات المصرية والتنزانية التي لم تستطع فك شفرة هذه اللغة.

واستطاعت القوات المنسحبة بالاستعانة بالسكان المحليين من استخدام قوارب كانت تعمل على البحيرة، حيث دُفع لهم المال، وبذلك استطاعت القوة المنسحبة الوصول إلى العاصمة كمبالا، ومنها السير إلى المطار السري جنوب السودان».

يواصل الجندي مسعود: «كان اليوم الأخير دامياً جداً تجسدت فيه معاني البطولة والفداء، وانعكست فيه كفاءة الجندي الليبي آنذاك. بعد سقوط المطار زادت الخسائر لدى القوات الليبية، وانهارت المعنويات بعد انضمام المزيد من قوات عيدي أمين إلى القوات التنزانية، ما دفع بالضابط الليبي المسؤول إلى الانسحاب بقواته دون الرجوع إلى قيادته، وتحمله بنفسه المسؤولية.

 وبهذا تجمع الجنود الليبيون في موكب كان يسير ببطء تتقدمه المدفعية التي تقوم بالرماية على الجبال المحيطة لتطهيرها، فكان الجنود يعيشون رباعية من الخوف والحذر والفرح والحزن، وهو شعور متداخل، ومزاج متقلب، فالحذر من كمائن العدو،  والخوف من المجهول، والحزن على رفاق قتلوا، والفرح بأمل العودة إلى أرض الوطن.

تطلب انسحاب الرتل وجود مشاة يسيرون على جانبي الطريق للاحتياط من أي هجوم، ما أدى إلى بطء حركة المنسحبين، وإصابتهم بالتعب والإرهاق، لذا تقرر المبيت.

 كان الطريق بين جبلين، وفي إحدى المرات هجمت القوات التنزانية بكل عنف على الجنود الليبيين، فقاوموها إلا أن أعداد قوات العدو كانت كبيرة «فكلما نبيد مجموعة منهم، تهجم مجموعة أخرى، ونخسر بالمقابل عدداً من الرجال» حتى وصلت القوة الليبية إلى أحد الأدغال وتفرقوا فيها، وتركوا خلفهم عشرات القتلى والأسرى والجرحى.

«دخلنا أحد الأدغال، وكنا عشرة جنود يقودهم عريف يملك خبرة كبيرة في حرب الأدغال والحركة بداخلها.. كان اسمه إبراهيم قادنا حتى وصلنا إلى مكان اختبأنا فيه.. كان خوفنا من الوقوع في الأسر أكبر من خوفنا من الموت، فلم تعد لدينا ذخيرة تكفي للدفاع عن أنفسنا».

 «واصلنا المسير.. ومررنا بقرى خالية من السكان ليس فيها إلا بعض الحيوانات والدجاج، فكان معنا رجل كبير في السن من المقاومة الشعبية، وكان مريضاً يسعل بصوت مرتفع، مما يكشف مجموعتنا للعدو.. هدده العريف إبراهيم بالقتل إذا استمر في السعال، بل سحب عليه السلاح أكثر من مرة، وقال له أن يموت جندي واحد أفضل من أن يموت تسعة».

قرروا الاختباء في النهار والمسير في الليل، إلا أن الأمر كان صعباً، «حيث تعلُق أغصان الأشجار بملابسنا ولا نستطيع الفكاك منها إلا بصعوبة.. ذات مرة انهمر علينا الرصاص مستمراً لمدة عشر دقائق، فأخذنا وضع الانبطاح، وكنا في بعض المرات لا نرد على الأعداء حتى لا يستطيعون تحديد مكاننا، فكان الظلام دامساً، والجندي مسعود يعاني من ضعف السمع نتيجة لأصوات الرماية طيلة فترة الاشتباكات المستمرة، وعندما شعر بزوال الخطر نهض من مكانه، فلم يجد أحداً من رفاقه.. أصبح مسعود وحيداً وسط غابة موحشة، فقد انسحب الرفاق إلى مكان ما، وانقطعت أخبارهم».

 مرحلة أخرى من العذاب والألم والتحدي
من هنا تبدأ مرحلة أخرى من العذاب والألم والتحدي، لقد أصبح مسعود آمر نفسه في متاهة هذه الأدغال المخيفة، فقرر الاستمرار وبيده سلاحه.. راودته كل الأفكار المزعجة والمخيفة، وكان أمله أن يصل إلى العاصمة، فلعله يجد رفيقاً ليبياً يشاركه الموت أو الحياة.

 استمر في المسير باتجاه بؤرة الضوء طوال الليل، لا يستطيع التوقف خوفاً من الحيوانات المفترسة والأفاعي.. وكان البعوض كثيفاً كأسراب النحل ينهش ما تبقى من قواه.. بعوض يقول عنه مسعود «إنه لم يرَ مثله في حياته، فاذا أراد النوم يقوم بقطع أغصان الأشجار لينام عليها»، ثم يقوم من نومه مفزوعاً ليجد نفسه في مكان غريب عنه.. تسلل ذات مرة إلى مزرعة موز ليسد رمقه، واستمر في المشي حتى أصيبت قدمه التي عاقت قدرته على المشي، وكانت الطيور الجارحة تحوم فوقه كأنما تنذره بنهاية أليمة.

واصل الجندي مسعود السير حتى وصل إلى الطريق المعبّد قبل الفجر.. كان جانب الطريق على شكل خندق أو أخدود طويل بعمق متر ونصف تقريباً تغمره المياه، وعندما تمر سيارة يتوقف مسعود ليختبئ، ثم يواصل السير حتى غلبه النوم.. نصف جسمه في الماء، والنصف الآخر مستنداً على الخندق.

هنا مرت دورية من الجنود، فكان سعاله العفوي هو «براقش» التي أنبأتهم عنه، فجاءه جنديان أفريقيان، صوبا إليه سلاحيهما، وبكلام لا يعرفه، وفوهات بنادق تقترب من رأسه، رفع مسعود يديه، وقال لهما: «ليبي ليبي».  فقاما بسحبه من الخندق، لتبدأ رحلة أخرى إلى المجهول سنختصرها لضيق المقام.

كانوا رجالاً طوال القامة، ذوي وجوه سوداء، وتقاسيم قاسية، ولغة لا يفهمها الجندي مسعود.. قادوه إلى سيارة عسكرية مكشوفة، وساروا به باتجاه المدينة.. كان حلمه وأمله أن يجد أي ليبي قبل أن يموت.

وصلوا به إلى ثكنة عسكرية، وأخدوا منه سلاحه، ثم أدخلوه إلى مكتب به ضابط يتحدث العربية بصعوبة، لكن مسعود لم يفهم منه شيئاً، ولكنه عندما رفع رأسه يستفهم السؤال، وجد صورة عيدي أمين وبجانبها صورة معمر القذافي معلقتين على الحائط، وبقدر ما فهم إنه في مكان آمن، بقدر ما انتابته الشكوك من أنها طريقة ماكرة لإيهامه وانتزاع المعلومات منه.

ثم أدخل مسعود إلى حجرة مظلمة، شعر فيها بالرطوبة والبلل، وعندما تلمّسها وجدها بركة صغيرة من الدماء فوق الأرضية الخرسانية، فازداد يقينه بأنها الساعات الأخيرة له، فأخذ يقرأ بعضاً مما حفظ من الآيات القرآنية، ويدعو الله بالمغفرة، فهي ساعاته الأخيرة.

 في هذه الأثناء فتح باب الحجرة، وأدخل معه ثلاثة أشخاص جدد، سرعان ما عرف أنهم ليبيون، فأخذوا يسألون بعضهم بعضاً، ثم تعانقوا وبكوا بكاءً مؤلماً حزيناً كالأيتام الغرباء.. لم يعد للموت الآن معنى مخيفاً.. سنموت معاً، وقد تحقق الأمل.. ولكنهم تأكدوا فيما بعد أنهم في معية قوات عيدي أمين، ثم نقلوا إلى المطار الذي يبعد حوالي 170كم حيث سارت بهم السيارة في طرق ترابية وعرة حتى وصلوا إلى المطار السري في جنوب السودان، وكان نصيب الجندي مسعود أن يكون دوره في الطائرة ما قبل الأخيرة، تلك التي هبطت في مطار الكفرة، خلافاً للطائرات الأخرى التي هبطت في مطار معيتيقة.

العائد من الموت
كان شقيقه في مطار معيتيقة يحمل صورته ويعرضها على الجنود العائدين.. ها قد وصلت الطائرة الأخيرة التي هبطت مباشرة في مطار معيتيقة، فانسد باب الأمل في وجه الشقيق الذي رجع إلى بيته حزيناً آسفاً متأثراً، خاصة أنه وجد مجموعة من العائدين الذين أخبروه بأن أخاه انسحب مع مجموعة لم ينجُ منها أحد، فعاد الشقيق إلى بيته يقتله الحزن وتعصره المَرارة.. دخل غرفة أخيه شبه العريس الراحل متحسراً باكياً على شقيقه، وأخبر أفراد الأسرة والأقارب بوفاة مسعود.. فاستعدوا جميعاً لمراسم العزاء.

الحياة الفكرية في السجون الليبية.. كتاب جديد لخالد درويش
الثقافة الفلسطينية تصدر الكتاب الثاني من سلسلة «كتابة خلف الخطوط»

يصف مسعود لحظات وصوله إلى الكفرة ولقاءه بمواطنيه هناك بمزيد من المشاعر الحساسة الملتهبة التي يطول وصفها وشرحها لعائد من الموت.

في اليوم التالي ركبوا الطائرة متجهين إلى معيتيقة، وكانت آخر طائرة تصل من أوغندا.. اصطحبوه مع مجموعة من الجنود المصابين إلى المستشفى العسكري.

يقول مسعود إن ضابطا يُدعى علي عسكر اهتم بهم وكان كالأب الحنون.. عطوفاً عليهم .. ويضيف: «كنت أعاني من بقايا آثار ملاريا أصابتني في أدغال أوغندا.. وكانت عندي إصابة في قدمي».

ولأن الحالة تحتاج إلى مزيد من العناية والوقت، فقد رفض الأطباء خروجه من المستشفى حتى تتحسن حالته، وتلتئم جروحه، فاضطر في هذا الوضع وفي عدم وجود أية وسيلة للتواصل مع أسرته، إلى التسلل بملابس المستشفى الملفتة للأنظار، وتعاطف معه حراس البوابة بعد أن شرح لهم حالته، فسمحوا له بالخروج متسللاً.

وبشكله الملفت هذا سار مسعود في الشارع، ولكنه سرعان ما التقى بدورية من الاستخبارات العسكرية الذين اقتادوه إلى مقرهم، فحققوا معه واستجوبوه وهو في هذا الحال البائس، ثم أخيراً تعاطفوا مع حاله، وقاموا بنقله إلى الشارع حيث يقع بيت شقيقه.

«طرقت الباب بشكلي الغريب، وشعري المتطاير، وجسمي النحيل، فكانت صدمة لمن فتح الباب، فدخل مهرولاً منادياً على أخي الذي كان يستعد للذهاب إلى الجبل (جبل نفوسة) لنقل خبر وفاتي، والقيام بمراسم أيام العزاء».

انطلق الجميع إلى الجبل يسبقهم الخبر السعيد، وليشهد مكان ولادة مسعود يوماً آخر لولادته الجديدة، وعودته إلى الحياة مرة أخرى، وليشهد المكان حركة دؤوبة من الرجال والنساء والأطفال فرحين بولادة مسعود الجديدة، وانكتاب عمر آخر له.

يقول مسعود: «وقعت كالطفل اليتيم في حضن أمي، أشكو لها حجم الظلم والألم بصمت رهيب كأنه نحيب.. لقد شعرت بأن حضنها هو المكان الآمن الوحيد في هذا العالم المخيف».

قصص لم تروَ
هذه باختصار قصة مسعود، التي تختصر قصص كثير من السعداء الذين نجوا بجلدهم وبأنفسهم، وأولئك المتاعيس الذين مضوا إما في بطون التماسيح أو بين أنياب الوحوش المفترسة، أو بالرصاص الأفريقي المنتقم، حتى من بقي منهم لم تكتب قصصهم، ولم تُدوّن وتنشر، وأنا أتذكر قريبي علي عامر مادي الذي نجا من نهايات حرب أوغندا المؤسفة، وحروب أخرى في لبنان، وفي مصر صيف 1977، لكن ناموسة صغيرة بل أقل من ناموسة اسمها «فيروس كورونا» قد قضت عليه في 2022/1/26، دون أن يترك هو، ولا رفاقه الذين مضوا هنا وهناك.

إلى أن جاء مسعود ليكتب صورة ولو مقتضبة عن هذه المأساة التي كانت في ثوب نجدة أخ لأخيه، ومقارعة عجلى ومرتبكة للغرب وأعوانه، إلا أن سوء التخطيط وعجلة التنفيذ ذهبت برفاق مسعود، ووضعت أنف هذه النجدة في الرغام وأوحال غابات الزمن، دون أن نسمع أصواتاً أخرى تميط اللثام عن هذه الملحمة.

المزيد من بوابة الوسط

تعليقات

عناوين ذات صلة
جهات دولية في القطاع الموسيقي تقترح علامة تصنيفية للمحتوى المُبتكر بالذكاء الصناعي
جهات دولية في القطاع الموسيقي تقترح علامة تصنيفية للمحتوى ...
في افتتاح موسم ليبيا الثقافي.. سالم العالم: الاستثمار في الإبداع لا يقل أهمية عن الاستثمار في البنية التحتية
في افتتاح موسم ليبيا الثقافي.. سالم العالم: الاستثمار في الإبداع ...
تكريم هدى الأوجلي في طرابلس بعد فوزها بجائزة «أحمد يوسف عقيلة» للقصة القصيرة
تكريم هدى الأوجلي في طرابلس بعد فوزها بجائزة «أحمد يوسف عقيلة» ...
«موسم ليبيا الثقافي» يخصص صباح الإثنين لثلاث محاضرات حول الملكية الفكرية والشعر الشعبي
«موسم ليبيا الثقافي» يخصص صباح الإثنين لثلاث محاضرات حول الملكية ...
«ذاكرة المكان».. عمر بركة يجسد هوية المدينة القديمة في جدارية فنية بطرابلس
«ذاكرة المكان».. عمر بركة يجسد هوية المدينة القديمة في جدارية ...
المزيد
الاكثر تفضيلا في هذا القسم