Atwasat

"أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا"

سالم العوكلي الثلاثاء 25 فبراير 2020, 01:51 مساء
سالم العوكلي

"مليون انفجار في المدينة/ وأمريكا على الأسوار/ تهدي كل طفل لعبة للموت عنقودية/ يا هيروشيما العاشق العربي/ أمريكا هي الطاعون والطاعون أمريكا"

من قصيدة مديح الظل العالي ـ محمود درويش.

منذ نهاية الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي نهاية الثمانينات، وفقدان أمريكيا للقطب المعادي الذي يحرك سياساتها ويغذي نهمها الإمبريالي، اخترعتْ أو صنعت الإرهاب الإسلامي كقطب آخر تتسلى به في انتظار أن تعود قوة أخرى قادرة على مقارعتها في حلبة العالم، فكانت عبر هذا الاختراع للقطب المؤقت تحافظ على لياقتها الإمبريالية وتتخذه ذريعة لانتهاك سيادات دول أخرى، وذريعة لزيادة ميزانيات هيآتها الإستراتيجية المتعلقة بالأمن القومي، ولكي تقنع الرأي العام بهذا الخطر كان لابد من أحداث الحادي عشر من سبتمبر التي مازال سرد وقائعها ملتبسا وغير مُقنِع. ويبدو أن وقت هذه التسلية انتهى ليعلن وزير خارجيتها، ووزير الدفاع، في مؤتمر ميونيخ الأخير للأمن الدولي عن خطر الحزب الشيوعي الصيني، وعن بداية حرب مع الصين. لا نعرف ما إذا ستكون باردة أم حامية.

بالنسبة للولايات المتحدة فمفهوم الشيوعية أو الحزب الشيوعي هو نفسه كما في بدايات القرن العشرين، وبالنسبة لها هذا العالم جامد ولا يتمتع بديناميكية كما في أطروحتها الرأسمالية، فحزب جورباشتوف الشيوعي لم يكن نفسه حزب لينين أو ستالين، ولا الحزب الحاكم الآن في الصين هو نفسه حزب ماو، وهذه الديناميكية التي لا تعترف بها أمريكيا جعلت الصين تخترق العالم الرأسمالي بانفتاحها التجاري على السوق العالمية، وجعلت من الثراء الفردي والمؤسسي طريقا لتحقيق ذلك متناغمة بذلك مع جوهر الرأسمالية، ورغم ذلك فإن ساسة الولايات المتحدة لا يرون إلا نموذجا واحدا لمفهوم الحزب الشيوعي الأرثوذكسي، مثلما حددوا نموذجا واحدا للرهاب الإسلامي.

الصين لم تدخل مرة سباق التسلح أو تنصب رؤوسا نووية في اتجاه الغرب وأمريكيا، أو تجتحْ عسكريا مناطق أخرى لنشر أيديولوجيتها، واختارت أن تخوض المعركة في قطاع الاقتصاد وحلبة التجارة العالمية بعيدا عن الرؤوس النووية، مراهنة على تراث طويل في هذا المجال منذ طريق الحرير الشهير، وعلى إبداعات مجتمعها في المجال الصناعي والتجاري التي يتقنها منذ قرون، لكن ترامب أثناء حملته الانتخابية، ومنذ وصوله للبيت الأبيض، لم يتوقف عن مهاجمة الصين الشعبية والعمل على لجم طموحاتها. الصين تحقق نجاحات كبرى في السوق العالمية وفي نموها الاقتصادي الذي تعجز الولايات المتحدة عن مجاراته، وتفتح مناطق نفوذ تجاري وتنموي في كل القارات، وتسعى لتحقيق ما تسميه حزام الحرير الذي يصنع دائرة عبر قارات العالم تمر عبره البضائع عن طريق البر والبحر والجو، والصين تتحدث عن عملة عالمية موازية للدولار، ما يجعل بعض الدراسات الأمريكية الرصينة تتوقع أن يصبح الاقتصاد الصيني الأكبر في العالم العام 2030 وتتراجع الولايات المتحدة للمرتبة الثالثة حيث تحل الهند في المركز الثاني، لذلك فالخطر بالنسبة لأمريكيا يكمن في هذا الطموح الكبير، وهو طموح لا يمت للمبدأ الشيوعي الأيديولوجي بصلة ويثير معركته التنافسية في السوق المفترض أن يكون اسمها السوق الحرة، كما أن هذا الطموح الصيني أنجز مشاريع تنمية مهمة، خصوصا في أفريقيا، حيث يعبر ساسة هذه الدول النامية عن راحتهم للاستثمارات الصينية التي لا تتقنع بشروطها الزائفة عن الإصلاحات والديمقراطية والحقوق كأوراق ضغط، ولا تمارس التعالي والغطرسة على الشعوب الفقيرة كما تفعل شركات واستثمارات الغرب.

يجعلني هذا الوسواس الأمريكي تجاه الصين والذي عبرت عنه مرارا تغريدات الرئيس ترامب أذهب بقناعة إلى نظرية المؤامرة، وأنا من معتنقي هذه النظرية لأسباب بسيطة تتعلق بكون السياسة تعني ببساطة فن إدارة المؤامرات، ولكون التاريخ هو حلقات متصلة من المؤامرات الدولية أو المحلية التي تحركه وتجعله مثيرا وذا نفس تراجيدي ملحمي، ولكون حتى سوق خضار في قرية لا يخلو من المؤامرات اليومية، وإذا كان الوعي بهذا التاريخ وبطبيعة السياسة يجعل المرء معرضا لهذه التهمة المجانية التي عادة ما تقال كمسبة فلا بأس.

هذه النظرية تجعلني أذهب مباشرة إلى أن ما تتعرض له الصين الآن وفي هذا التوقيت من وباء فيروسي يقع في صلب السلاح البيولوجي في صراعات الكبار، ومنذ عقود والفيروسات الجديدة لا تظهر إلا في الصين، والكل يحيل ذلك إلى النظام الغذائي، بينما الصين بهذا النظام الغذائي القديم جدا وصل عدد سكانها إلى المليار ونصف. وهذا الفيروس فعلا يضرب الاقتصاد الصيني المزدهر في مقتل ويحقق أحلام تغريدات ترامب التي دائما ما كانت تبشر الشعب الأمريكي بمفاجآت فيما يخص صراعه مع التنين الصيني.

نشر موقع وزارة الدفاع "Zvezda" الروسي، مقالا بعنوان "فيروس كورونا: الحرب البيولوجية الأميركية ضد روسيا والصين". يعرض خسارات الاقتصاد الصيني الفادحة جراء فيروس كورونا، ما من شأنه أن يؤدي إلى "إضعاف موقف بكين في الجولة القادمة من مفاوضاتها التجارية مع واشنطن"، كما يتطرق المقال للتقارير الروسية حيال مختبرات الأبحاث البيولوجية الأمريكية العاملة في دول مجاورة مثل أوكرانيا وأوزباكستان وجورجيا، رغم توقيع الولايات المتحدة على اتفاقية جنيف 1975 فيما يتعلق بانتشار الأسلحة البيولوجية. كما يذهب بعض الخبراء إلى أن فيروس كورونا الحالي تم تسجيله العام 2018 كبراءة اختراع أمريكي تحت رقم 10130701. ووفقًا لصحيفة «كومسومولسكايا برافدا» الروسية"، يعتقد أن كورونا "تم تخليقه معمليًا في ظل ظروف استعرت فيها الحرب التجارية بين الولايات المتحدة أكبر قوة في العالم، والصين العملاق الناهض والذي أصبح ينافسها في جميع المجالات، ويؤكدون أنها تأتي في إطار حروب الجيل السادس المدارة عبر أسلحة ذكية في أوقات السلم." كما يرد في موقع قناة سكاي نيوز.

مختبرات السي آي إى مازالت تتلاعب بالفيروسات ضمن ترسانة الأسلحة البيولوجية وأخلاق السياسة الأمريكية الأصيلة لا تستبعد هذا الخيار في مقارعة الخصوم، وهذه الأخلاقية المعلنة في جدولة الصراعات الأمريكية هي ما تجعل البعض يذهب إلى أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر كانت مفبركة مثلما ورد في كتاب الخديعة الكبرى لتيري ميسان الذي جاء بحجج تفند الرواية الأمريكية تستحق الوقوف عندها، ولكن هذا يصعب في منظومة جعلت من مقتل الرئيس جون كينيدي لغزا حتى الآن. من جانب آخر يحقق فيروس كورونا الذي وصل إلى إيران (محور الشر الآخر بالنسبة لأمريكيا) ما عجزت عن تحقيقه العقوبات الأمريكية الشديدة المفروضة على إيران، وبقفل الدول المجاورة لإيران، بما فيها العراق، حدودها مع إيران فيتحقق الجزء الصعب من هذه العقوبات التي كانت تسعى، كما يقول ترامب، إلى تصفير الاقتصاد الإيراني الذي أصبح لا يتحرك إلا عبر هذه الحدود. أما الصين فالعقوبات الأمريكية لم تنجح معها لأن لها القدرة أن ترد العقاب عقابين، والاتفاقيات كانت دائما تصب في صالح الصين من تجيد المنافسة ومن لها طاقة بشرية هائلة للمنافسة في أي مجال.

من ضمن قصيدته : يا رب أحفظ أميركا، موطني، موطني اللذيذ. يقول الشاعر سعدي يوسف:
أميركا!.. لنستبدلْ هداياكِ/ خذي سجائركِ المهرّبة وأعطنا البطاطا/ خذي مسدس جيمس بوند الذهب وأعطنا كركرةَ مارلين مونرو/ خذي خرائطَ السجون النموذجية وأعطنا بيوتَ القرى/ خذي أشرطةَ البيرقِ وأعطنا النجوم/ خذي اللحية الأفغانية وأعطنا " لحيةَ والت ويتمان الملأى بالفراشات "/ خذي صدّام حسين وأعطنا ابراهام لنكولن! أو لا تعطنا أحداً.