اختلال منظومة التعليم يهدد جيلاً كاملاً من الشباب

اختلت منظومة التعليم في ليبيا، وشهدت هزات عنيفة طيلة العقود الأربعة الماضية، فعلى الرغم من الآمال التي عُلقت على ثورة 17 فبراير، إلا أن التعليم بكل مراحله غرق في الفوضى الناجمة عن الانتشار الواسع للسلاح، وبروز الأجسام والجماعات والميليشيات المسلحة.

لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

ووصل تدهور المنظومة برمتها إلى خروجها من الظهور في نتائج تقييم منتدى «دافوس» الدولي العام 2016، حينما اعتُبرت ليبيا من الدول، التي تفتقر لمعايير جودة التعليم إلى جانب العراق وسورية، ما حدا بـ«الوسط» إلى البحث عن آليات للخروج من تلك الأزمة، وإبراز أهم أسبابها.

المناهج الحديثة تجاوزت المدرسين.. والتناحر المسلح منع الطلاب من الدراسة

وتشير المعطيات إلى أن تدني مستوى المنظومة التعليمية في ليبيا يمكن الرجوع به إلى منتصف ثمانينات القرن الماضي، وتجلت مظاهرة في تهميش التعليم الأساسي، والعبث بالمناهج التعليمية، وعسكرة المؤسسات التعليمية، وانتشار ظاهرة الغش في الامتحانات، وتهديد المدرسين، وتأليب الطلبة على أعضاء هيئة التدريس في الجامعات، إلى جانب ترويع طلبة الجامعات وإرهابهم عبر نصب المشانق داخل الحرم الجامعي وهو ما حدث في أبريل 1976.

مشاكل التعليم المزمنة
واستمرت مشاكل التعليم المزمنة في ليبيا في التدهور بعد إطاحة النظام السابق العام 2011، وهو ما أدى إلى استقطاب أعداد كبيرة من الطلبة، وأفضى إلى عمليات التهجير والهجرة والنزوح في دول الجوار وداخل الوطن بسبب الصراعات المسلحة التي تعصف بالبلاد منذ أكثر من ست سنوات، والتي أبعدت الكثير من التلاميذ والطلبة عن مقاعد الدراسة، وألقت بهم إلى المجهول، فضلاً عن اتساع دائرة التعيينات على خلفية الانتماءات القبلية والجهوية من دون مراعاة للكفاءات.

وفي هذا الصدد يقول وجدي الغدامسي (طالب سنة ثانية ثانوي) إنه تغيب عن الدراسة كرهًا منذ بداية العام الدراسي الجاري لمدة ثلاثة أسابيع على الأقل، بسبب اشتباكات مسلحة بين ميليشيات متناحرة على مستوى طريق المطار (الضاحية الجنوبية للعاصمة) حيث تم إغلاق الطرق بسواتر ترابية ومنها الطريق المؤدية إلى مدرسته، وكذلك نظرًا لغياب بعض المدرسين والمدرسات في فترات متكررة على امتداد العام الدراسي.وأضاف الغدامسي أنه يجد الكثير من الصعوبات في فهم مادة الإنجليزي، معربًا عن أسفه لكونه لم يستطع الانخراط في دورات تقوية في اللغة الإنجليزية، لأنها تتم في المساء، وأن والده لم يوافق على تنقله إلى مكان الدورة في هذا التوقيت بسبب الانفلات الأمني.

وكان تعليم اللغات الأجنبية قد تراجع في ليبيا بصورة كبيرة منذ ثمانينات القرن الماضي على خلفية سياسات النظام السابق التعليمية، وخططه الممنهجة لضرب هذا القطاع الاستراتيجي، ما أنتج جيلاً من الخريجين بمستويات متدنية في شتى المجالات.

كليات اللغات في ليبيا
ولا تزال كليات اللغات بالجامعات الليبية تخرج إلى اليوم دفعات من الطلبة المتخصصين في اللغات، ومنها اللغة العربية، غير أن مستوياتهم وفق الخبراء متدنية وبعيدة جدًا عن المستوى الأكاديمي.

وعكست الكتابات الحائطية التي ظهرت في مختلف المدن الليبية إبان الثورة باللغة العربية–بحسب المراقبين للشأن الليبي–مدى انهيار جودة التعليم في البلاد.

وتشير عديد التقارير المحلية والدولية إلى تدهور مستوى التعليم في ليبيا بشكل مؤسف، رغم الموارد المالية الكبيرة، وزاد هذا التدهور خلال السنوات القليلة الماضية، ما دفع أحد المنتديات الدولية إلى إسقاط ليبيا من التصنيف الدولي.

الفوضى الناجمة عن انتشار السلاح فرضت ما يعرف بـ«الجامعات القزمية»

وبالفعل أعفى تقرير للمنتدى الاقتصادي الدولي، أو ما يعرف بـمنتدى «دافوس» العام الماضي 2016 ليبيا من الظهور في نتائج التقييم إلى جانب كل من سورية واليمن والعراق على اعتبار أنها دول لا تتوافر فيها أية معايير تخص جودة التعليم.

وكان النظام التعليمي الليبي احتل المرتبة 142 من 144 بلدًا تم تقييمها في إحصائية لتقرير الجودة الشاملة لمنتدى «دافوس» العام 2013.

وأشار التقرير نفسه إلى نقص حاد في تدريب المعلمين، حيث تم تصنيف ليبيا في المرتبة 140 من أصل 144، وأورد أن النظام التعليمي الليبي يعاني نقص المعلومات، ولا سيما البيانات المتعلقة بكفاءة أداء المعلمين ومدراء المدارس.

الكيمياء والرياضة والإنجليزي
وقال محمد طارق (طالب بالسنة الأولى ثانوي)، إنه يجد صعوبة في فهم المواد العلمية وخاصة الكيمياء والرياضيات إلى جانب اللغة الإنجليزية، وأرجع ذلك إلى عدم تمكن المدرسين وبخاصة المدرسات من شرح المنهج بصورة موسعة، بسبب كثرة الغياب، وتعطيل الدراسة عدة مرات في السنة نتيجة لما سماه بـ«حروب الشوارع».

وأكد أنه لم يتابع (الأحد 02 مارس 2017) على سبيل المثال الحصص الخامسة والسادسة والسابعة بسبب غياب المدرسين، في حين لم يبق على موعد إجراء الامتحانات النهائية إلا أقل من شهرين.ويرى الأستاذ الجامعي عمر أبو القاسم أن تدني مستوى التعليم الأكاديمي يعود بشكل كبير إلى ضعف تكوين الطالب من الأساس. وأوضح في هذا الشأن أن المدارس لا توفر منذ سنوات طويلة المعامل والمختبرات العلمية، وإن وجدت فهي في حالة سيئة، وتفتقر إلى المواد الضرورية، لإجراء بعض التجارب التطبيقية، وبالتالي اقتصرت الدراسة على الجانب النظري.

وقال إن المناهج التعليمية في ليبيا تقليدية جدًا، وتعتمد على التلقين، ولا تهتم بالتحليل، مشيرًا إلى أن الطالب الليبي قاصر عن التحليل، حيث لم يتم تدريبه منذ الأساس وخاصة في المرحلة الثانوية على الكتابة العلمية والبحوث البسيطة.
وأكد الأستاذ الجامعي أن المدرسين في ليبيا تجاوزتهم المناهج الحديثة، إذ لم يتلقوا أية دورات أو تدريبات لتدريس هذه المناهج، وبالتالي لم يستطيعوا أن يفيدوا الطالب الليبي كثيرًا.

جامعات وأكاديميات قزمية
ولاحظ الأستاذ أبو القاسم بروز العديد من الجامعات في البلديات والمناطق، التي وصفها بـ«الجامعات القزمية»، مشيرًا إلى أن هذه المؤسسات الأكاديمية فرضتها الفوضى الأمنية الناجمة عن انتشار السلاح والحرابة على الطرق، حيث بات من المستحيل أن يقوم أرباب الأسر في الدواخل بإرسال أبنائهم وبناتهم إلى طرابلس على سبيل المثال خوفا من عمليات الخطف على الهوية ومن أجل الفدية والحرابة والصدامات المسلحة المتكررة بين الميليشيات المتناحرة والتي تقود في معظم الأحيان إلى غلق الطرق. وضرب مثالًا على ذلك بغلق الطريق الساحلي الذي يعتبر أهم شريان للمواصلات بين العاصمة طرابلس ومدن المنطقة الغربية حيث الكثافة السكانية الكبر في البلاد.

الجامعات والمدارس والأساتذة والطلاب في حاجة إلى تدريب وإعادة تأهيل

وقال إن افتقار تلك المناطق إلى الأساتذة المقيمين ورحيل الأساتذة الأجانب بعد تفشي عمليات الخطف والقتل جعل هذه الجامعات تتعاقد مع أساتذة متعاونين أغلبهم غير مؤهلين للتدريس مما فاقم تدني مستويات التحصيل العلمي في هذه المؤسسات.

إن تقرير منتدى «دافوس» الذي صنف ليبيا على أنها دولة لا تتوافر فيها أية معايير تخص جودة التعليم، يؤشر بحسب المراقبين للشأن الليبي، على عمق المأساة التي انزلقت إليها البلاد، والتي سيتردد صداها لسنوات طويلة قادمة، إذ إنها تطال في مجال التعليم وحده جيلاً كاملاً من الشباب، الذين سيجدون أنفسهم في طوابير الخريجين الذين يحملون مؤهلات لا تعدو كونها حبرًا على ورق، وهو تقرير كفيل -برأي نفس المراقبين- بإسقاط الحكومات الثلاث التي تتناحر اليوم على السلطة والمال، وتلك التي سبقتهن، ومتابعة المسؤولين عن هذه الفوضى وتحويلهم إلى العدالة.
لمطالعة العدد 72 من جريدة «الوسط» اضغط هنا

المزيد من بوابة الوسط