15- من أدبيات رسائل الفاخري

15- من أدبيات رسائل الفاخري

   15- من أدبيات رسائل الفاخري

رسالة الأستاذ الراحل محمد حسين القزيري، كتبها من بعد حوالي شهر من زواج الفاخري وعودته إلى مقر عمله بكوبنهاجن، سوف أحاول، للضرورة، وبقدر المستطاع نسخها من أصل الرسالة. وسيكتشف القارئ الكريم براعة أسلوبه في النقد لما كان يدور في البلاد، ناهيك لمسائل أدبية جدلية. الرسالة:

« قصر ليبيا في 18/12/79

(عالخير)، أيها العريس المستجد، ومبروك جدًا! وأنني بالإصالة عن نفسي وبالنيابة العامة عن كافة الرفاق، أزف إليك أكداس التهاني وأطنان الأماني الطيبة بمناسبة عيد ميلاد السيد المسيح! كما لا يفوتني أن أنتهز هذه الفرصة للتنويه بأن زواجك الميمون قد توافق مع وقوع أحداث تاريخية هائلة في منطقة الشرق الأوسط، وليس أقلها ظهور المهدي المنتظر بعد طول اختفاء!

وهذه – يا جنقي – ليست رسالة عادية تمامًا بالمعني التقليدي المتعارف عليه عند كتابة «الرسائل العصرية للمناسبات الاضطرارية». بعضها في حالات الصحو ومعظمها في غير تلك الحالات، وهي خليط لا يكاد يربطه أي تسلسل تاريخي أو ترتيب منطقي معين. فلحظات التجلي، كما تعلم، لا تعرف حدود الزمن، ولا تخضع لغير ما يمليه حكم الكيف.

ومن ثم فإنك تستطيع أن تقرأ هذه المنثورات من أولها أو آخرها، أو من الوسط، أو تقرأها بالمقلوب. أو من أعلى إلى أسفل. فالنتيجة واحدة على كل حال: وهي أنك لن تجد فيها أية فائدة. وحالما تنتهي من قراءتها، سرًا أو جهرًا، سوف تكتشف أنها لا تنفع ولا تشفع! فهي - كما قلت لك آنفا- عبارة عن خليط عشوائي تمتزج فيه الحكمة العميقة بالهذيان المذهل مع طائفة من الأقوال المأثورة والأحاديث المختلفة وقصص جحا، وأشياء أخرى لم أعد أذكرها.

ولقد حاولت أن أرتبها وأرقمها، بالتسلسل عسى أن أضفى عليها قدرًا من المهابة. ولكنها، مع ذلك، استعصت على التنسيق، وتمردت على الرتابة. فبوسعك أن تعيد خلطها كيفما أتفق وأن تقرأها كما يحلو لك. فلا فرق. وبعد هذه المقدمة، التي لا يمكنك أن تفكر أنها كانت مُشوقة للغاية، تفضل بالاطلاع إذا كانت بيدك طاسة أو كباية:

يوم 25/5/1979

لا أعرف أحدًا يشرب أرداء هكذا أرداء الخمور ويظل محتفظًا بوقاره المصطنع أكثر مني، وأنا الآن أشرب نخبك يا طويل العمر، ولست أتمنى أنك معي، لأنني نفسي لا أتمنى أنني هنا. وفي هذه اللحظات الحاسمة من تاريخ الأمة العربية، أقبع وحدي، وأسمع «كات ستيفنس» يغني ( later ) وأنا لا أستطيع أن أتبين كلمات الأغنية بوضوح، ولكن يخيل إليّ أنه يقول:

«فيما بعد سوف تخرج إلى الضوء

ويبلل وجهك الكالح ندى الفجر الطري

ولسوف يغسل الطل روحك الصدئة

وتشرق الشمس أيضًا

فتراها صاحيًا لأول مرة

في حياتك القصيرة الطويلة الحافلة بالغرباء».

حالما فرغ «كات» من أغنيته ظهر على المسرح الوهمي «نيل دايموند» ليغني «Solitary Man» في هذا الحفل الانفرادي الساهر الساكر معا. واليوم جمعة، وثمة جمعة يتيمة، وجمعة لئيمة، وجمعة عطيبة، وجمعة كئيبة، وهلم جرا إلى أكثر من خمسين جمعة في العام الواحد. وغدًا عطلة بمناسبة ذكرى ثورة 25 مايو «المجيدة»، في السودان غير الشقيق (فهو لا يبدو شقيقنا لأنه أسود. وأغلب الظن أن جد العربية الأكبر قد تزوج ذات مرة من زنجية!-وبالتالي هم إخوتنا ولكنهم ليسوا أشقاءنا

 

أنت تذكر فايدة كامل، أليس كذلك؟ لا بُد أنك تذكرها فهي بالتأكيد لا تنسى: تلك الساحرة التي ظلت تتربص بي الدوائر حتى أجبرتني على الهجرة ثلاث مرات: مرة إلى إيطاليا، ومرة إلى الفويهات الغربية، والمرة الأخيرة إلى لندن- لكي أنجو من زعيقها. هذه المطربة كادت تقتلني حماسًا بأناشيدها الوطنية، أيام الفندق الكبير، صارت اليوم تغني للسلام اليهودي، هي والمرشال حميدة عبدالوهاب، والفريق أول محمود شكوكو.

............

جلال وأنا جلسنا ذات مساء في شهر لم أعد أذكره من العام الجاري ببطء في ردهة قصري الشامخ، وبدأنا في اغتيال الوقت الثمين بالحديث عن الوضع الراهن وتبادل وجهات النظر حول بعض القضايا ذات الاهتمام المشترك، مما أفضى بنا في النهاية إلى نبش سيرتك بكثير من الود والاعتزاز.

أعرب جلال عن قلقه البالغ بسبب ما لاحظه من عدم إقدامك على الزواج. وبعد أن فكرت أنا قليلا في مغزى تلك الملاحظة الدقيقة، محاولا أن أستشف ما يرمي إليه صاحبنا الدبلوماسي العريق، لم أجد بدًا من أن أشاطره القلق العميق إزاء هذه الظاهرة الخارقة للعادة. وتذكرت فجأة أنني لم أعرف قط كيف تمكنت أن أنت – حتى ذلك الوقت – من الإفلات من مكائد الأقارب، ودسائس الأصدقاء والشراك المميتة التي تنصبها أغلب البنات.

كنا، أنا وجلال، نمثل في تلك الأثناء نموذج الاستقرار والرزانة، وبقية الحالات والصفات الحميدة الأخرى التي تلصق بالمتزوجين عادة، حتى عن غير جدارة، فتعلق بهم إلى الأبد أو إلى حين، حسب الأحوال الشخصية.

قال جلال: «صديقنا خليفة لم يعد صغيرًا». قلت أنا: «أعتقد أنك على حق. فهو منذ سنوات طويلة يذكر أن عمره 35 سنة فقط، ويرفض رفضًا باتًا أن يعترف بقابلية تلك السن للزيادة حتى مع مرور الزمن. ولكني أعرف كذلك أن خليفة يملك حجة مقنعة تمامًا في هذا الصدد، باعتبار أن الرجل يجب ألاّ يرجع في كلامه». رد جلال باقتضاب: «ينبغي أن يشرع في البحث عن بنت الحلال، قبل فوت الأوان». قلت بشيء من الامتعاض: «ولماذا يبحث عن مجرد بنت بينما لديه امرأة كاملة؟ وهي بنت حلال أيضًا، بدليل أنها تعرف أبويه معرفة جيدة. ثم أن الإحصاءات الرسمية كلها تؤكد أن العرض من بنات الحلال-رغم التناقص العددي المستمر – ما زال أكثر من الطلب. وهكذا ترى، يا جلال، أنه ليس ثمة داع للقلق، أو العجلة التي هي من الشيطان كما تعلم. ودعني أذكرك أيضًا، بما قاله نابليون من أنه في التأني السلامة وفي العجلة الندامة، وهو لم يقل ذلك الكلام بمناسبة أسبوع المرور

عليه أن يكمل نصف دينه» قال جلال بلهجة قاطعة. وهنا لم أتمالك نفسي فقلت له: «إذن يتحتم عليه أن يتزوج اثنتين دفعة واحدة، فيحصل على دين كامل ويستريح. وربما يستغنى بذلك حتى عن الحج!».

كانت تلك قفشة ظريفة من جميع الوجوه. وقد توقعت أن يضحك جلال كثيرًا أو يبتسم على الأقل. لكنه لم ينفعل، بل ظل صارمًا تبدو عليه مظاهر الوقار والجدية الكاملة مثل جندي قديم. فأدركت على الفور أن المسألة أخطر شأنًا من أن تحتمل بعض السخرية البريئة .

كان يبدو في غاية الرصانة والجلال، كمن يزمع حقا أن يوفق بين رأسين في الحلال. هذه المرة قلت له بقدر مماثل من الجدية والحزم: «أنت تعلم كم يهمني أمر صديقنا خليفة، وكم أود أن يدخل القفص الذهبي أو قفص الزينقو، أو أي قفص آخر يختاره، فيما عدا قفص الاتهام. فأنا وخليفة في الواقع رأسين في شيشة». وخشية أن يلتبس الأمر على جلال، فيحسب أنني أقصد الشيشة بمعناها المصري، استدركت قائلا: «بل إننا، بدون مبالغة، رأسين في فياشكه».

وأضفت أقول: «وأنت لا تستطيع أن تتصور كم نصحته أن يتزوج، ولو على سبيل اكتساب نصف دين. فصاحب النصف ليس خاسرًا، كما يقول المثل: لكن خليفة كان دائماً يفحمني برده اللاذع الذي مؤداه أن المرء قد يتزوج لإتمام نصف دينه فينتهي الأمر بأن يطلع كل دينه مرة واحدة ولا يبقى له من الصفقة سوى حجم دينه في المصارف الوقحة، وغيرها من المؤسسات الرأسمالية المرتبطة بالإمبريالية والاستعمار العالمي.

فأما، يا جلال، رغم كل ما بذلته من مساع مشكورة، وما قدمته من النصائح القيمة والمشورة، لم أفلح قط في إقناع هذا الكافر بالإقدام على تلك الخطورة الجبارة. لقد نصحته كثيرًا بلا جدوى، وحدثته حتى عن هارون الرشيد، وسيدنا محمد. ولكنه ركب رأسه، فركبت أنا طيارة أحضرتني إلى هنا لأخدم مستشارًا بالخارجية بدلًا من تضييع مشورتي سدى على أمثال هذا الدبلوماسي الضال. ولست أدري ما الذي يستهويه في حياة التشرد هذه. صحيح أنه يعيش في بيت فسيح جيد التكييف معبأ بكل وسائل الكيف وإكرام الضيف. ومع ذلك فأنا لا أستطيع أن أفهم كيف يمكن للمرء أن يعيش بالراحة في أي مكان لا يعوى فيه طفل أو يتشاجر مع أولاد الجيران، وكيف يحس الإنسان بالهدوء والسكينة ما لم يحرمه أطفاله الظرفاء من طعم النوم، وتفوح من إماراته الطيبة رائحة الثوم، ويكون بيته أنظف قليلا من مطار بنيته».

كانت هذه خلاصة وافية لما دار بيني وبين جلال بالخصوص. وأنا أكرر، وفاء مني لما عاهدته عليه، لا يسعني الآن إلاّ أن أكرر النصيحة بإلحاح: «تزوج وإلاّ فاتك القطار وضاع عليك ثمن التذكرة. ولتكن رحلتك ذهابا فقط بلا إياب. ولكن مهما حدث من أمر فحذار أن يقع لك ما قاله فيه ابن سيرين:

نبئت أن فتاة كنت أخطبها *** عرقوبها مثل شهر الصوم في الطول.

وهناك شيء آخر أحب أن ألفت انتباهك إليه، وأن كنت أعرف أنه لا يخفى عليك. يقول الإنجليز، فيما يقولون: «Beauty is skin deep» أي - بحرفية شديدة– أن الجمال مجرد قشرة على السطح. وأنا أعتقد أن هذا القول صحيح تماما ظاهره وباطنه. وللرسالة بقية.

 

كلمات مفتاحية

المزيد من بوابة الوسط