الفلسطيني «200 متر» يجسد تشتت العائلات جراء الجدار الإسرائيلي

أمين نايفة، وسط، على هامش مشاركته في عرض فيلمه «200 متر» خلال «أيام قرطاج السينمائية» في تونس، 21 ديسمبر 2020 (أ ف ب)

يروي فيلم «200 متر» الذي عُرض خلال «أيام قرطاج السينمائية» الأسبوع الماضي، المعاناة اليومية لعائلة فلسطينية تشتت أفرادها قسرًا بسبب السياج الفاصل الذي بنته إسرائيل في الضفة الغربية.

وإذا كانت فكرة الفيلم وُلدت في 2013، فإنه يخرج إلى الجمهور في زمن «اتفاقات التطبيع» التي يعتبرها الفلسطينيون «خيانة»، وفق «فرانس برس».

ويدور الفيلم، وهو باكورة الأعمال السينمائية الطويلة للمخرج الفلسطيني الثلاثيني أمين نايفة، حول قصة زوجين من قريتين فلسطينيتين يفصل بينهما جدار إسرائيلي. ورغم أن المسافة بين القريتين لا تتخطى 200 متر، لكن وجود الجدار يفرض تحديًا عليهما، لا سيما حين يدخل ابنهما المستشفى ويكابد الأب من أجل الوصول إليه.

ولا يخفي نايفة أنه، بالإضافة إلى العمل الفني، فهو يريد أيضًا إرسال رسالة سياسية.

ويقول لوكالة «فرانس برس»، على هامش عرض الفيلم في المهرجان أخيرًا، «الفن بشكل عام والسينما بشكل خاص هما سلاح المقاومة المتبقي الذي نعوِّل عليه للدفاع عن القضية».

ويوضح نايفة أنه أراد من وراء الفيلم، «طرح الكثير من الأسئلة الحارقة»، مضيفًا: «هل هذه حياة معقولة لشعب يعاني منذ أكثر من سبعة عقود؟ هل هذا الواقع يعكس شيئًا إنسانيًّا في ظل الظروف العربية المؤسفة؟».

ويتابع: «بحثت عما هو مفقود في السينما الفلسطينية من تفاصيل يومية يمكن أن تحدث الفارق بعيدًا عن الفلسفة السياسية وشرح تاريخ القضية الفلسطينية».

اقرأ أيضا: بالصور: النجوم في افتتاح فيلم «200 متر» بـ«الجونة السينمائي».. ومخرجه يحصد جائزة مينا مسعود

ويعيش عديد الفلسطينيين فعلًا المعاناة التي يحكيها الفيلم. وروى تقرير لوكالة «فرانس برس» في يوليو 2019 قصة طفل اضطر على مدى ثمانية أيام إلى السير على قدميه نحو ستة كيلومترات يوميًّا تحت أشعة الشمس الحارقة للوصول إلى مدرسته في بيت لحم، بعد إغلاق السلطات الإسرائيلية المدخل الوحيد المؤدي إلى منزله في قرية الولجة.

بعيدًا عن النمطية
ويعرب المخرج الفلسطيني عن أمله في إيصال قصة «تعكس الواقع الفلسطيني بلا مبالغات وبروباغندا»، ومن دون «الشعارات والصور النمطية ومشاهد العنف، إلى الدول العربية في إطار قطار التطبيع المحزن والمؤلم».

ومنذ منتصف أغسطس، أعلنت أربع دول عربية تطبيع علاقاتها مع إسرائيل برعاية أميركية، بدءًا بالإمارات ومن ثم البحرين والسودان وأخيرًا المغرب.

ويبدأ الفيلم الذي يمتد على أكثر من ساعة ونصف الساعة بمشهد لخطاب الرئيس الأميركي دونالد ترامب خلال إعلان خطة السلام الأميركية لحل النزاع الإسرائيلي - الفلسطيني.

200 كيلومتر بدل 200 متر
وتشكل شخصيتا الأب مصطفى التي يجسدها الممثل الفلسطيني علي سليمان، والأم سلوى (الفلسطينية لينا زريق) محورًا تدور حوله باقي الشخصيات في الفيلم.

وتتابع كاميرا نايفة بدقة بطل الفيلم خلال تنقلاته اليومية الشاقة للذهاب إلى العمل في الضفة الغربية، حيث يجد نفسه مجبرًا على المرور عبر نفق ضيق مكتظ بالمارة، والامتثال للشرطة الإسرائيلية عند نقاط تفتيش عديدة تستوقفه.

لكن الأمر يزداد سوءًا حين ترفض شرطية السماح له بالعبور بحجة عدم حيازته ترخيصًا مسبقًا من السلطات الإسرائيلية، ما يدفعه إلى المجازفة واللجوء إلى وسيلة نقل غير قانونية للوصول للمستشفى، حيث يرقد ابنه الذي تعرض لحادث سير. واستغرقت الرحلة ساعات وتحولت المسافة من 200 متر إلى 200 كيلومتر.

وفي إحدى اللقطات، يبرز نايفة سخط مصطفى حين يصرخ في وجه السائق المتراخي «أنا أولادي وزوجتي بعيدون عني فقط 200 متر وراء ذاك الجدار».
وصُوِّر الفيلم نهاية 2019 في 35 منطقة فلسطينية بينها جنين ورام الله وطولكرم.

فيلم «يقطع النفس»
وأنتجت الفيلم مواطنته مي عوده التي منحتها مجلة «فاراييتي» الأميركية المتخصصة في مجال الترفيه، أخيرًا جائزتها السنوية لأفضل موهبة عربية في الشرق الأوسط.

وتبلغ ميزانية الفيلم الذي عُرض بداية في مهرجان «البندقية السينمائي» في سبتمبر، نصف مليون دولار.

اقرأ أيضا: بخمس جوائز.. «200 متر» أكبر الرابحين في «الجونة السينمائي»

وشارك الفيلم أيضًا في أكتوبر بمهرجان «الجونة السينمائي» في مصر، حيث نال جوائز عدة.

ويعرض العمل حاليًا في مصر، فيما ينطلق عرضه في تونس في السادس من يناير، على أن يشاهده الجمهور لاحقًا في صالات فرنسا وتركيا، وفق ما أفاد مخرج العمل.

وشارك فيلم «200 متر» في «أيام قرطاج السينمائية» التي دأبت تونس على تنظيمها منذ 1966، وعُرض خلال دورتها «الاستثنائية» التي اختتمت الأربعاء الماضي، نحو 120 فيلمًا من بلدان عربية وأفريقية.

ويمثل «200 متر» الأردن في سباق جوائز الأوسكار التي توزع في 25 أبريل 2021 في لوس أنجليس، وفق ما أعلن نايفة الذي يحمل أيضًا الجنسية الأردنية.

ولقي العمل السينمائي، وهو امتداد للفيلم القصير «عبور» الذي أخرجه نايفة العام 2017، إعجابًا بين الحاضرين الذين صفقوا له طويلًا خلال عرضه في المهرجان.

كما حصد العمل آراء إيجابية في الصحافة المحلية، بينها ما كتبته الناقدة التونسية أسماء الدريسي في جريدة «لابراس اليومية» الصادرة بالفرنسية، إذ رأت أن الفيلم «يشكل صفعة أخرى لهز الضمائر» في ظل موجة التطبيع الحالية.

المزيد من بوابة الوسط