ساسي حريب.. الجسد في تراتيل ضوء القمر

ساسي حريب (بوابة الوسط)

يرنو شعاع الرؤيا للأفق البعيد، باحثًا عن منازل لضوء القمر، هذه الجملة لا تروم إلى مفازة تشطح في مخيلة عابثة، لكنها تقف متدثرة بوشاح نفسي تهفو للتأمل وتحلم بالسفر خارج سجن الفيزياء، وهي مغادرة مؤجلة في سيرة الحبر، أراد الفنان ساسي حريب جرها إلى فضاء تجربته الفوتوغرافية عبر مخيلة تستلقي على نسيج السفر والممارسة والمحاكاة.

ثلاثي تنهض به أنفاس كاميرا حريب باحثة عن شيء ما يقودها لرسم لغتها الخاصة بومضات تستجلي الكامن في الهامش أو المعتاد، يبرز في نظرات السيدة السمراء المتأهبة في محاجرها وكأنما تنتظر أمرًا بالمغادرة، تلتمع العيون بقوة وتعمل كجاذب مغناطيسي يشكل مركز انتباه للصورة، كما تتربع على الوجه أشعة حانية تتسلل بهدوء محاكية ضوء القمر مقابلة الخلفية المنطفئة في القتامة، إذ سيساعدان على تبين ملامح البورتريه، وإغلاق منافذ الضوضاء المحيطة وإبقائها خارج دائرة الرؤية.

طالع: الطاهر الثابت.. «الماكرو» في لغة التفاصيل الخفية

تخبرنا لعبة العيون أنها إحدى ارتكازات لغة البورتريه عند الفنان، إضافة إلى تحدٍّ آخر هو ندرة حظوظ المناورة في هذه الملامح، الذي يستلزم أعلى درجات الانتباه لاستثمار انعكاسات الضوء على البشرة بالشكل المطلوب، وستكون إحدى الالتفاتات مادة خصبة لمعاينة تدرجات الإنارة في انتقالاتها إلى العتمة والعكس.

وإذا كانت الرؤية معنية بحياة الهامش، التي تنقلنا إليها حياة العامل وهو ينشر ملابسه، نلحظه مرة أخرى في وجه السمراء بإطلالة مغايرة وحذرة، حاملة طفلها متمسكة بالشعاع القمري الهامس في جسد الصورة، ونرى داخل التماعة المقل هسيسًا تترجمه مشاعر مختلطة من القلق والتوجس والفضول، هناك يرقد ضمور يعتصر وجه السيدة، سلالم من الإيحاءات كنافدة يسوق فيها الفوتوغراف الواقعية إلى جداريات التأويل المفتوح.

وإذا كانت الإيقاعات الفلكلورية للزي حاضرة في بصمات الرسم الفوتوغرافي لدى الفنان عند سيدات الجنوب، فإن موسيقى الجسد لن تكون بعيدة عن تفاصيل أهازيج الرجال، إنه اقتناص جنوبي يمنح للهوية عبراللباس والرقص فرصة لمقاربة أحاديث الكاميرا بحوار تدشنه أزار التكنولوجيا، في فضاء فزان الساحر.

تسجل الصورة نثرها الحركي متفجرة في وجه السكون كرغبة للتحرر من عقد الإستاتيكا الكامنة في طبيعتها، متواطئة مع العدسة وهي تضع بذرتها المجنونة، موقدة جدوة ذاك الجموح السوريالي، هنا ستمتاح الأفكار من جماليات هذا الوهج للقبض على لقياها الضائعة، تلك الإبراقات تتماهى معها نماذج الفنان في لوحة الأطفال وهم يركضون في البراري وسط أجواء صحراوية ملهمة، ترصد خلالها العدسة أبجديات الحركة وتترك لنا توقعات امتدادات البراءة وابتسامتها وهي تحتضن العراء.

تلك النسخة سنرى نضجها في بيوت الحاضرة مرتسمة على شفاه الفتاة المبتسمة المستندة إلى الباب العتيق، دلالة تواصل الحاضر بالماضي، الفتاة المنتشية في زفة الحلي «الرداء، الأساور، الخناق»، حيث تتشوف بدلع أنثوي إلى إرسال جمال نظارتها عبر الصورة، بعد أن تمكنت الأخيرة من نحت إمضائها بمكنة الفوتوغراف.

تقدم المعرفة جانبا من أدواتها في تجربة الفنان ساسي حريب، وتحاول تحفيز ذائقتها ليس في الوجه الثابت للصورة فقط بل ومجالها الحركي «التلفزيون»، وهو هنا يبحث عن حس ذهني يحفر في تيمات الضوء المختبئة في روح فوتوناتها المتدفقة في الفراغ، باحثة عن كنزها الدفين في تراتيل ضوء القمر.

من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)
من أعمال الفنان ساسي حريب (بوابة الوسط)

المزيد من بوابة الوسط